«تعارف» و«كلام».. محطات فضائية لبيع الأحلام الفاسدة والاتجار بأصوات النساء أسعار مكالمات باهظة.. ومحترف للضحك على عقول الناس.!

النهضة 543
عمر الشيخ


يزداد سعار المد الفضائي على شاشات التلفزة العربية، فتظهر كل أسبوع تقريباً قناة أو قناتان، ولعل آخر ما وصل إليه أصحاب رؤوس الأموال الخارجية هو تمويل محطات المتاجرة بأصوات النساء، وتعليب أصوات الإغواء المبرمجة عبر الكمبيوتر بلهجات عربية مختلفة، لتقدم للمشاهد على خلفية صور منوعة لحسناوات من عالم الموضة والإنترنت، على إيقاع بعض أغاني الرقص الشرقي والغربي أو الموسيقا المثيرة، على غرار محطات البورنو الأجنبية، تقدم هذه المحطات الصوتية رصيداً كبيراً من التنازلات المجانية السريعة والخيالية لمجرد أن يتصل بها الشباب المتحدثون باللغة العربية فقط، فهي موجهة لهم ولقلوبهم كما تدعي، لتمنحهم الأجنحة الوردية والسلالم الذهبية حتى يصلوا إلى قصور الجمال المتمثل هنا بإثارة الصوت الأنثوي على الهاتف، وهذه التجربة لا تقل سخفاً وانحطاطاً من تجربة قنوات (الشات) التي باتت لا تعد ولا تحصى، والخاسر هنا هو المشاهد بدل أن يجد محطة جديدة منافسة بشق من اهتمامات الحياة الإنسانية أو الاجتماعية الحقيقية، تجده أمام اصطدام يومي بعشرات المحطات الفضائية التي تعتمد على صفحات (ستوب كادر) بالإضافة إلى أشرطة متحركة في كل زواياها تنقل هواجس مزيفة تفضح في مضامينها خواء هائلاً تعيشه شريحة واسعة من الجيل.

محطة السعادة والمتعة!
لا يتردد طارق الطالب في كلية الآداب عن محاولات الاتصال بأي رقم غريب (أنتظر مجهولة أو أمل في غائب لا أعرفه..!) قبل أن أسأله عن مدى اقتناعه بفائدة محطات التواصل مع أرقام دولية تتحدث مجيباتها البشرية باللغة العربية الفصحى ويدخلن في محاور (ساخنة) كما يدعوها، يحاول أن يكتشف ما خلف كل ذلك، دون أن يفكر للحظة بالمتعة مع عالم لا يعرف عنه شيئاً، بل ليعرف فقط ما سبب كل ذاك (الانفلات التكنولوجي) الذي بات يهتم بتأمين السعادة للشباب، وبملء وقتهم بعشرات الأحلام الكبيرة التي تكلفهم مئات الليرات لسماع صوت ما من البعيد ربما في أماكن لا تقع على وجه الكرة الأرضية.
بينما يرفض حسام صاحب مقهى إنترنت مجرد الوقوف عند تلك المحطات ويبادر لحذف كل محطات (الشات) و(التعارف) التي يديرها المشاهدون بأنفسهم، وحتى تلك التي تأتينا من آخر بقاع الأرض حاملة آمال السعادة من خلال استخفافها بعقول الناس (معنا أحلى صبايا مثيرات.. هكذا تتردد هذه الجملة طوال اليوم، وما يستفزك أكثر أنهم يصرون أن حياتك لن تكون ممتعة دون الاتصال بهم) ويضيف حسام: (أستطيع بكبسة زر حذف كل تلك المحطات ولكن حتى يتأكد باقي المشاهدين في أنحاء العالم العربي من مدى كذب وسذاجة تلك المحطات تكون قد ربحت بمجرد محاولة الاتصال عبرها أو مشاهدتها أو التفكير بتوجهها المشوه للإنسانية) نحن في حياتنا اليوم نتصل بأي رقم غريب، كيف لو قدم لنا عبر الشاشة؟ ويؤكد حسام: هنالك عطب واضح لدى فئة لا بأس بها من الشباب والشابات لكسر الفضول، علماً أنه بمجرد نسخ أي من تلك الأرقام ووضعها على محركات البحث على الإنترنت لاكتشفت من أي مصدر هي ومن يديرها ولصالح من تغزو وتهدم..
تتصدر تلك المحطات شعارات مثل (نحن حقيقة ومنّا خيال) و(نحن معك لنخلي حياتك أمتع) ترى كيف دخلت تلك المحطات في قائمة حجز المساحة المنوط بها من البث على قمر نيل سات العربي؟

اللعبة تجارية بامتياز
ترى المحللة الاقتصادية نيرمين علي أن هذه المشاريع التجارية البحتة تديرها في الخفاء أجهزة استقصاء غربية لها مصالح مع مخططات لهدر وقت المواطن العربي، والعمل على وتر العاطفة لديه، إلا أن البعض لا يدرك مدى خطورة مثل هذه التجربة ولو بمحاولة الاتصال على الأرقام الدولية (فهو أي «المشاهد- المتصل» بمجرد بدء الاتصال بأي رقم دولي يظهر على الشاشة، فإنه يكسب المحطة أرباحاً طائلة بسبب تشغيله للمخدم الدولي الذي يتيح فرصة للاطلاع على بيانات العملاء في الدول العربية ونوعية الشبكات التي يستخدمونها، ليخسر الطرفان المتصل ومخدم الاتصال من أجل لا شيء وعادة ما يكون المجيب آلياً).
لا تقل هذه الخطوة خطورة عن الرسائل التي يدمن البعض على تداولها عبر شاشات التعارف الفضائية، إذ إن الرسائل الواحدة التي تتضمن ستين حرفاً تكلف نحو ستين ليرة سورية، عدا عن منسوب هدر الوقت والفكر والجهد النفسي، وتضيف نيرمين: (حالة المجتمع العربي تتعلق بمحظورات اجتماعية فرضتها العادات والتقاليد، ولعل الإنترنت الأقل خطورة وهدراً للمال والجهد حتى يتأكد الناس من مدى صحة التواصل وصحيته، كيف لو كان التواصل مع محطات فضائية لا يعرف أحد من يمولها ولمن يمكن أن تعود فوائدها!!).

مكالمات سرية
سامي مهندس معلوماتية واتصالات حاول عبر خدمة (سكايب) الدخول إلى تلك الأرقام لمعرفة مصدرها ومكان إرسالها ونشاطها على المحطات الفضائية، اتضح أنها مخدمة فضائياً بميزات التجوال الواسعة، أضف إلى أنك تستطيع فتح محطة تلفزيونية من أي باص نقل متوسط الحجم لا يمكن كشف مكانه، ولا يحتاج سوى للاقط عالي التقنيات يرسل للقمر الصناعي ويستقبل بسرعة خيالية! ولكن تلك المحطات تتصل مع مجموعة عمل واسعة إلى جانب بعض المواقع الإباحية للنيل من وقت المواطن العربي، وهي تعمل من داخل بلدان عربية بدعم أجنبي، يقول سامي (يجيب عليك صوت أنثوي من لهجة مهجنة، مصرية أحياناً أو أردنية أو لبنانية أو محلية، فيبدأ الحديث حول ما تحبه لدى الفتاة، وما مواصفاتها التي تثيرك.. تسأل عن تفاصيل في جسمك وتدلي بأسرار جسمها عبر الهاتف كأنها تمارس إغواء فاضحاً بتأوهات مبتذلة) ويؤكد سامي: حاولت أن أسجل جزءاً من المكالمة لعله مجيب آلي مبرمج عبر الكمبيوتر ولكن اتضح أن طاقم العمل يحتوي على كوادر بشرية فعلاً من جنسيات عربية وأجنبية للأسف وليست أصواتاً مركبة، وهذا بحد ذاته خسارة مؤسفة لما وصل إليه العلم في المجتمعات المتخلفة.
انحطاط!
هناك أقنية عربية تشارك بالانحطاط الأخلاقي الإعلامي من خلال تقديم هويتها بطباع أفعال الخير والحلال، كإطلاق قناة خاصة تعرض أرقاماً ورموزاً تتضمن سيرة ذاتية عن الوضع الاجتماعي لبعض الناس الذين يبغون التزاوج من غرباء على مدار العالم ولكنهم عرب مئة بالمئة..!
يعتقد (منير) معد برامج في إحدى الفضائيات العربية أن برامج مثل هذه قد تساهم في غربلة المجتمع لكشف اهتمامات الناس الثقافية والحياتية، ويضيف: (تساهم أحياناً هذه الأقنية المتخصصة بالمسابقات وادعاءات الجوائز إلى حد ما بكشف شريحة واسعة من المجتمع العربي تعاني الخواء البصري والثقافي، ولا تعرف استثمار الوقت إلا بقتله عبر محاولاتهم كسب فرص السفر ولو بالأوهام، وهذا يدل على المستوى المتدني لوظيفة الإعلام العربي الراهن التي استنتجها بعض المشاهدين من وجود مثل تلك الأقنية).
ولكن كأن المشاركة العربية على مختلف سبل نشر التسلية وتمضية الوقت تبدو وضاحة من خلال اللهجات وأرقام الهواتف التي تظهر طول فترة بث محطات المسابقات، والهدف هو شراكة واسعة في نشر ثقافة كسب الربح من البيت وعبر الهاتف، والطامة الكبرى أن أكثر الناس يؤمن بتلك الصفقات المشبوهة، وذلك بسبب انعدام الوعي أساساً لدى فطرة المشاهد العربي.
أخيراً
المفارقة لا تكمن في تنوع تلك المحطات الخاوية وحسب، بل باستمرارها على مدار الأربع وعشرين ساعة على الهواء مباشرة، كما أنها غير مجبرة على الرد إن قام أحدهم بشتمهم أو انتقدهم عبر اتصال هاتفي، لأن لديهم قدرة خاصة تجعلهم يقومون بسحب رصيد المشترك المزعج بشكل دوري في حال حفظوا رقمه على كونترول الشبكة الهاتفة التي تخص المحطة، أضف إلى ذلك أن شراكتها مع كبرى مؤسسات الاتصالات العالمية يعد طواعية غزواً ثقافياً رجعياً بامتياز، وهذا ما يجعل المال متحكماً ذكياً بيد تلك الشركات فهي تساهم أيضاً بتأمين معدات إطلاق هذا المربع التلفزيوني الذي يسمى قناة فضائية للمسابقات والتعارف وكلفة المكالمة الواحدة تصل إلى مئة دولار ويزيد..
من الضروري أن تتوقف تلك المحطات التلفزيونية بأي طريقة لكبح عجلات هذا الغزو المبطن بشتى أساليب التسلية والترف التي تغذيها القوى الاستعمارية عبر المال والعلاقات المشبوهة، وقبل كل شيء ليتوقف الضحك على عقول الناس..!

أضف تعليق