النهضة
عمر الشيخ
يناطح السوري في معجزات الحياة حتى يجد ما يمكن أن يعمل به ليحبه مرغماً تارةً كي يغطي نفقات الحياة، أو ليكبر حبه لعمله حتى يرى نفسه من خلاله، لعله يتواصل مع الناس والآخرين من خلال عمله، أو قد تجده ازدواجياً في تركيبة شخصيته ليفصل حياته العملية عن حياته المهنية، ولكن أين الإنسان في كل ذلك..؟
في حقل عملنا لا تختلف كثيراً الماكينة المبرمجة على أداء بعض الوظائف عمّا نقوم به يومياً من تفصيل مقالات ورصد أحداث وقراءة واقع، بغض النظر عن أولويات تلك الرؤى إلا أننا نعمل كما الماكينة تماماً، نعمل هنا وهناك بحب، لا كي نحصّل المبالغ الزهيدة التي تمنح أجرة لما نكتب، لكننا نعمل لنؤكد للإنسان بداخلنا أنه لا يزال يستطيع الحب والعمل معاً، وطموحه في المعرفة لا يتوقف في منبر أو تجربة مع مؤسسة معينة، يتشعب بطاقته في كل مكان تقريباً حتى في الجلسات العابرة نستنزف الطاقة لنشعر أننا اجتماعيون قليلاً لا نصطاد بالماء العكر عند أول فضيحة لهذا أو أبرز أخطاء ارتكبها ذاك..
في سورية يؤمن الصحفي بأنه طاقة هائلة لا تقهر، لا يقيس على مقص الرقيب بقدر ما يحذر من تمرير فكرته بذكاء، وهذه المرونة هي ما أكسبته الرغبة في العمل بأكثر من وسيلة إعلامية، وحين تجده تجاوز نفسه تقريباً ينظر للخارج، لينقل طاقته ببصمة حرفية إلى أماكن ما بعد المحلية تمنح له أفقاً أكبر للتعامل مع قارئ شمولي أوسع ثقافة وأكثر تقصياً في إيجاد ما يلفته من بين ركام المحطات التلفزيونية أو الصحف المرموقة والأكثر انتشاراً وحرفةً، إلى هنا أين هي البصمة التي حملها معه إلى تلك المطابخ الإعلامية، هل يؤمن الصحفي السوري بأن المكان الذي توجه إليه شخصياً أو ندب إليه بترشيح ما هي تلك الإضافة التي سترتقي بها تجربته أم العكس..؟
بين الطموح والغربة نجد زملاءً لنا تركوا المهنة هنا ووجدوا في بلاد أخرى ملاذاً أكبر وطموحاً أوسع ومعرفة أشمل، إلا أنهم يعملون ضمن صيغة مؤسسة واحدة تجبرهم على توقيع عقود احتكار علني لئلا يعملوا مع أي جهة إعلامية أخرى، على عكس ما كان متوفراً لهم هنا من تجارب في الإعلام المسموع والمرئي والمكتوب في معظم نواحيه، بعيداً عن التشتت، كانت الفضاءات مختلفة والوجوه أيضاً، وبنية التكتيك المهني، وعلى بساطة ما يتمتع به الإعلام المحلي من تقنيات ورؤى لكنه يمتلك كوادر حرفية عالية ومميزة، وهذا ما يشهد به الإعلام العربي منذ أكثر من نصف قرن، كانت تصدر صحف في سورية عديدة تقوم على صفحاتها سجالات وحوارات أغنت المجتمع بمحاورها وحلولها، أمّا الآن في ضوء إطلاق قانون الإعلام الذي سينال الإعلام الإلكتروني نصيبه منه، تظل الرؤيا غير واضحة، وربما لن تضيف إلى تقدم الإعلام خطوة إلى الأمام في مواجهة كل ما يحاك ضد بلادنا، وعليه فإن الكوادر المميزة تهاجر رويداً رويداً إلى الغربة لأسباب تتجلى في البحث عن عقليات متنورة إلى جانب تقييم مادي مناسب.
النقد الضمني لعمل المؤسسات يغيب بشكل أو بآخر، درءاً للفضيحة التي قد يلحقها فيما بعد سحب كل الكروت الرابحة مع الفريق الإداري لهذه المؤسسات، فهل نختار التستر على النقد مقابل غربة الأصوات التي تنتقد الخطأ وتشير له أو تقترح حلولاً أحياناً؟
حين ينتقد عمل مسرحي لخلل في بنيته تحسب القراءة على أنها شخصنة، وحين تمدح رواية لكاتبة جديدة تحسب على أنها شخصنة، وحين يفتح تحقيق في ظاهرة ثقافية تعتبر الآراء المأخوذة متواطئة للنيل من أحد… تلك هي الذهنية المريضة التي تعمل بها بعض المؤسسات الإعلامية على مستوى أفراد وجماعات، وهذه الشخصنة القائمة على سلطوية باذخة يدعمها أحد ما تلغي أي مشروعية للحوار طالما كان التخوين خطاً فاصلاً بين الصواب والخطأ..
نريد لسورية ألا يهجر ضلعٌ من ضلوعها إلى الغربة بحثاً عن أي شيء، فلمَ لا تتوقف تلك الهجرات المحزنة التي يستوحش من بعدها الناس وتضيق بهم أمكنتهم للحاق بأحبائهم، ها هو الإنسان إذاً أيها السادة يظهر في كل مكان ملوحاً لنا ببعض الحكمة في قرارتنا تجاه سوريتنا وتجاه عملنا الذي نحب.

ابداع مستمر … طموح دائم … شكرا الك عمر
إعجابإعجاب