تاريخ13-12-2009
العدد 339
تحقيق الكاتب: عمر الشيخ
تتعدد منابر النصوص الجديدة القادمة من مختلف الفئات العمرية، لكن مصطلحات من نوع (أدب شباب، دروب الإبداع، كتابة جديدة) تعبر عند البعض عن مفهوم مغلوط عموماً، بمعنى آخر قد تبدو النصوص المنشورة في تلك الصفحات تنتمي ببنيتها الفنية إلى لغة شبه مألوفة أو ربّما جديدة إلى حدّ مختلف، بحيث أنها لا تقتصر على جيل الشباب فقط، بل هي مفتوحة على الاحتمالات التي تقترح تجارب جديدة مفعمة بالخصوصية ويزيد عُمر أصحابها عن جيل الشباب، فتتعرض تلك النصوص إلى غربلة حقيقية بمبضع النقد إلى أن يكشف عن الأصوات الحقيقية المميزة التي ستقدم فيما بعد للذائقة الثقافية.
إن فكرة رعاية تلك المواهب الجديدة تبدو شائكة في الوسط الثقافي السوري، حيث تصور لنا تلك الفكرة جانباً حساساً من كيفية نمو المواهب الجديدة حيث تتلقف الصحف المحلية نصوصاً من تلك الأنواع الموصوفة بالعثرات الأولى والارتباك المبكر والمتراوحة بين الهواة وبين من يرغبون في التكريس الدائم، حيث يمتلكون ملكة الكتابة المشابهة لأزمنتهم أحياناً، إلا أن تنوع ذائقة المشرفين على الصفحات المعنية بذلك تبدو ذات سويات متفاوتة وأخرى اعتيادية وثالثة تحاول التوازن وفصل الذائقة الشخصية عن الحساسة الجديدة لكشف النص الجديد الذي يحمل أمل تطور في الأسلوب وطريقة الالتقاط، سواءً كان النص شعرياً أو روائياً أو قصصياً أو خاطرة أو غيره من باقي أجناس الأدب.
صفحات ضيقة لمواهب واعدة:
الصحفي والشاعر زيد قطريب المشرف على صفحة أدب الشباب في جريدة تشرين السوريّة يحدثنا عن تجربته الراهنة مع الشباب وتعامله المستمر مع نتاجاتهم الخام، ويشير إلى قلة الاهتمام من قبل المكرسين في الشأن الثقافي خلال نظرتهم الخاصة لصفحات إبداعات الشباب مؤكداً قوله: (أستغرب كثيراً عندما يعتقد البعض أن النصوص سوف تنتحر بعدهم، فلن يكتب أحد شـعراً أو نثراً أو قصة قصيرة.! فصفحــات الأدباء الشــباب غالبـاً ما تتعــرض للعديــد من محاولات التقليـل من شــأنها أو أثرهــا أو اختلافهـــــــــا عـــــــــن السائد وتضمنها الكثير من الأسماء والأخيلة الجديدة!).
ومن ناحية أخرى يمكن النظر إلى هذا المنتج الجديد بشوائبه على أنه فعل حساس يفيض بالعاطفة الحقيقية الصادقة ويتصل بالبوح الإنساني ويترك فسحة التفاؤل أكثر اتساعاً، لكن قطريب يصرّ على أمله الكبير في العثور المستمر على نصوص جديدة حقيقية قادمة من عنفوان نقي أحياناً يترك للقارئ التمتع بالدهشة على مزاجه رغم ضيق المساحة.
يختلف الأمر في جريدة البعث حيث صفحة دروب الإبداع التي يشرف عليها الشاعر والصحفي محمود السرساوي منذ فترة طويلة، تسمح الصفحة بنشر نصوص مختلفة السوية بين القصة والشعر والكتابات النثرية، بمساحة صفحة كاملة أسبوعياً، تنشر أنواعاً مختلفة من الشعر حيث يركز مشرف الصفحة بشدّة على تلك الحساسية الجديدة في الكتابة قائلاً: (وظيفة الصفحة بالدرجة الأولى هي التقاط الموهبة إن وجدت، ثم جعلها شريكة في تصور وقراءة إبداع الصفحة، يلاحظ ميل شديد إلى استخدام السردية في الكتابة الشعرية ولكن هذا السرد يحتاج إلى تمكن، لأن السرد بطبيعته نثريّ بينما الشعر اختزالي) إلا أن السرساوي يصادف تجارب عمرية لم تتجاوز العشرين وتكتب أفضل ممن هم في الخمسين.
الكتابة الجديدة بلا تقنية معاصرة!
يتفق كلا المشرفين على صفحات الكتابة الجديدة، قطريب والسرساوي على مسألة غياب التقنية الحديثة في شحذ الأدوات اللازمة لصناعة نص مختلف حيث يضيف قطريب: (ربما يمكننا الحديث عن بعض الثغرات التقنية وضرورة الاشتغال أكثر على صعيد سوية النصوص المنشورة ومتابعة تجارب أصحابها).
ويصوب إلى ضرورة اتساع مثل هكذا صفحات قائلاً: (فيما يخص وجود مثل هذه الصفحات فإنه أكثر من ضروري، ولن أذكّر هنا بما قاله الراحل محمود درويش عن متابعته لصفحات الأدباء الشباب واستفادته من مخيلاتهم في فتح آفاق أخرى بالنسبة إليه، فكل تجربة كما هو معروف تمتلك ذاتها وتستند إلى مقوماتها بشكل ما).
ويشدد السرساوي على جانب التأثر المفرط بتلك الأصوات المكرسة في تجاربهم الطويلة في كل أجناس الأدب، حيث يعتقد أن التشابه المنسوخ هو تشوه دائماً: (على الكتابة أياً كان جنسها أن تمتلك خصوصية لأن من «يتشبّه، يتشوّه» هذا لا يلغي الاستثناءات التي أشرنا إليها بظهور أقلام تستطيع أو تحمل بذور الإضافة ولكنها قليلة جداً).
ويرى السرساوي أن غربلة الأصوات الجديدة مع بعضها وطرحها كما هي للذائقة تحتم حاجة ملحّة لجعلهم أقرب إلى كشف بعضهم والاستفادة من تجارب بعضهم: (معظم الأصوات الجديدة تحتاج إلى رؤيتها الخاصة، ولا يأتي ذلك إلا عبر الحوار المختلف وطرح الأسماء الجديدة إلى جانب بعضها وإفساح لهم فرصة كشف عوالم بعضهما واقتراح أسئلتهم الخاصة).
صفحات تؤسس ربما لكتابة جديدة!
بالنسبة لصفحة أدب الشباب في جريدة تشرين بحسب قطريب فهي أسست لأسماء كثيرة الآن في الوسط الراهن، وقدمت رؤيتها الواضحة في التماس المباشر مع الأسماء الجديدة ذات اللمسات الخاصة، يضيف قطريب: (صفحات الأدباء الشباب ليست ترفاً، أو تنفيعة، أو تحصيل حاصل، ويمكنني الآن أن أذكر العديد من الأسماء التي انطلقت من هذه المنابر الصغيرة، ما يؤكد أهميتها ودورها بغض النظر عن أية ملاحظات يمكن أن نتحدث عنها عن هذه الصفحة أو تلك..إلخ).
ويخص قطريب هنا الكثير من القائمين على الثقافة بعدم تحذلقهم بحق الأصوات الجديدة: (المهم في نهاية المطاف ألا يعتقد أحد أن العالم سينتهي عند حدود تجربته أو أن المجتمع سيتحول إلى عاقر لا ينجب الشعراء أو الكتاب، فالعالم لا يمكن أن يستمر بلا شاعرية نهائياً، دعونا لا نكرر اختراع الأصنام ذاتها مئات المرات!.).
الرسم بالكلمات نظرة أخرى:
ترعى جريدة الثورة الإبداعات الجديدة عبر صفحة الرسم بالكلمات التي تشرف عليها الشاعرة والصحفية سوزان إبراهيم، حيث تختلف التجربة هنا قليلاً، لأن هذه الصفحة تتقبل الدراسات النقدية التي تكتب حول التجارب الجديدة وتناقش قضايا جوهرية راهنة تهم الجيل الجديد، وهي صفحة دورية أسبوعية تصدر ضمن صفحات الجريدة الرسمية، وعن مدى فاعلية تلك المنابر عموماً وفي جريدة الثورة خصوصاً: (هناك شريحة من الجيل الجديد تستهجن أن تسمّى كتابتها بأدب شباب لأن الشارع السوري يطلق هكذا تسمية على كتابات الهواة، إلا أن صفحة رسم بالكلمات في جريدة الثورة تلتقط الأصوات الجديدة التي لا يسلط عليها الضوء إعلامياً، وهي تحتمل المقترحات التي يحملها الجيل الجديد من الكتّاب من قصة وشعر ونقد، لكن هذا الأخير فقير للغاية في هذه الصفحة، ليس ثمة من يكتب نقداً متيناً ودقيقاً، هي مجرد محاولات من المرجح أنها تشِي بتطور قادم كما أعتقد).
أمّا فيما يخص قابلية الكتّاب الجدد للحوار، تؤكد أن الجيل الجديد لا يتفاعل كلياً مع ما يقدمه من نتاجات ولا يبحث عن فرصة للنقد الموضوعي بقدر ما يصرّ على نشر قصيدة أو قصة وليحصل ما يحصل هذا لا يهمه.
أخيراً..
معظم الكتاب الجدد يتبعون خطة رائجة ومنتشرة وهي أن يسافر أحدهم إلى خارج البلاد ليحصل على جائزة مادية ومعنوية من مسابقة ما مع بعض التطبيل والتزمير رغم كلاسيكية منتجه ومحدوديته، ثم يعود إلى الوطن منتصراً ومشهوراً، ويؤكد للجميع أن الآخرين احتفوا به أكثر من القائمين على الشأن الثقافي في وطنه، ترى ما الحلّ للحفاظ على ذائقة جديدة تحتفي بالكتابة الجديدة بعيداً عن فكرة الكتّاب الهواة والخلط بينهم وبين من يبذل جهده في أن يكون (أناه)؟.
