عمر الشيخ
العدد 304
عادةً تقتفي السينما الخيالية الكثير من طرق المتعة لدى المشاهد، وتعتمد في ذلك على قدرات الإخراج السينمائي وموهبة الممثلين حسب الظهور والكاريزما، وعلى ذلك يمكننا قياس آلاف الأفلام الرديئة من المميزة، ففي ذلك جزء كبير من الاتجار بالثقافة البصرية.
في أكثر الأحيان ثمّة حاجة لوجود فيلم سينمائي واقعي لا يرتكز على ممثلين ولا مؤثرات سينمائية هوليودية، إنما هو سينما لا نجوم فيها مجرد مونتاج لقصص بلسان أصحابها، البشر العاديون هم أبطالها، وأكثر صناعها فقراء في الغالب ومظلومون أيضاً، فجاءت ظاهرة الأفلام التسجيلية محطة اهتمام في ذاك النوع من السينما، وفي تجربة هي الأولى من نوعها، افتتح في العاصمة دمشق أسبوع سينما الواقع الذي استقطب حوالي (40) فيلماً تسجيلياً، عرض في صالتي الكندي والقباني، في ظاهرة فريدة من نوعها سببت الكثير من الزحام في صفوف المثقفين وأنعشت التعابير البصرية بكل بساطتها وأهميتها الإنسانية.
هكذا تناوبت كلتا الصالتين المحليتين في استيعاب جمهور العابرين من الناس في العاصمة دمشق، لينفرد كل يوم بثمانية أفلام تسجيلية عربية وأجنبية، وهي في أكثر تألقها حالة إنعاش للذاكرة الثقافية، وتركيب مختلف لصور الحياة، إلا أن الضغط الكبير والمدّة القصيرة هو ما ميز هذا الكم الكبير من الأفلام، وبرغم ذلك كان الحضور جيد وله وجهات نظر إقناعية ونقدية، حيث تناولت الصحف العربية والمحلية هذه الظاهر بطريقة لا بأس بها، رغم أنها تقريرية وتفتقد للمصطلح النقدي، لكن تحتفي على الأقل بهذه الظاهرة على أنها ضرورة ملحة، وتقترح رؤية معاصرة لتوثيق الهموم الإنسانية، وطرحها بتكاليف أخلاقية حقيقية، خلفيتها البناء الدرامي للواقع بحسب الناس الذين يعيشونه، بكل تفاصيل حياتهم بلا اصطناع نفسي أو حركي.
فالمادة السينمائية في الأفلام التسجيلية تختلف كثيراً عن الأفلام الوثائقية، حيث أن هذه الأخيرة تحمل وجهة نظر مخرجها ومعدها، لكن سينما الواقع هي شهادات مؤسسة على واقع حقيقي، مادتها الحيوية الناس العاديون، الذين لا يعرفون التمثيل إنما يمكنهم فتح قلوبهم والبوح بأسرارهم وتجاربهم المعاشة في حياة قاسية الظروف أحياناً، وأحياناً أخرى هي مرتع للمرح والمغامرة.
إن موضوعية العمل التسجيلي السينمائي تقف على محك الانتشار، حيث لا يوجد مروج دعائي يتبنى هذا الحدث، والدليل هو حضور كل العروض بالمجان، ليس لأن التظاهرة حديثة الولادة ولكن حتى يتسنى للقائمين على ذلك فتح معبر بين الصورة المعاشة بتفاصيلها الطبيعية لدى البشر وبين المتلقي المحلي والأجنبي، خلال خطوة واثقة في توسع أفق الحوار الثقافي في رصد تاريخ أمم ومجتمعات مختلفة الجنسية.
مثلاً في فيلم (المنام) للمخرج السوري محمد ملص الذي سجل عام (1981) وتم إنهاء تحضيره للعرض عام (1987) وعرض لأول مرة في تلك الآونة، هو عمل نادر جداً، يتحدث فيه ناس أقاموا في مخيمات صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين ذلك قبل المجزرة عام (1982) يقوم هذا الفيلم التسجيلي على أحلام لا على واقع، يحكي فيه النساء والأطفال والعجائز والمقاتلين عن حياتهم اليومية، من خلال أحلامهم وكوابيسهم، في الأحلام يجد الفلسطينيون ما يفتقدونه في الواقع عيشاً كريماً، إلا أن المفاجأة هي أن الفيلم أنتج بعد المجزرة وما تم تسجيله قبل المجزرة مع أولئك الناس هو أيضاً كالحلم، لأن كل من تحدثوا لم يعد يعرف لهم مكان بعد التصفيات التي قام بها العدو الإسرائيلي في تلك الحقبة.
إن تعاطي المشاهد بعواطفه البصرية والإنسانية مع تلك الظاهرة وما تنتجه، ما هو إلا تثقيف مميز يولده وعي معرفي في البحث عن الذات، لأن المكتشف اللاحق لتأثير التجربة تلك هو مرايا عاكسة ليومياتنا نحن البشر الطارئين في الحياة القصيرة، نقتسم مع تلك الشخصيات التي هي جزء من تكوين المجتمع، همومها وأفراحها وترحالها وذكرياتها العابقة بألق المتعة ولمس خفايا الروح بكل بساطة، والمطلوب هو أرشيف منزلي ربما، وصور مهمشة، بشر وأمكنة غائبون عن الأضواء، أحداث وزمن لا يتوقع أن نفاجئه بكاميرا فيديو تسجل بعض دقائقه، أيضاً سيلزمنا عدسة شخص موهوب ومحترف، ترصد العفوية وتنقل خفة الكائن التي لا تحتمل كما يقول الروائي (ميلان كونديرا) تلك الأفلام التسجيلية الواقعية في معظم بناها، ورسالتها هي أهمّ وأكثر صدق من الأفلام السوريالية والأكشن والرومانسية المصطنعة بنجوم ومسحات تجميلية مختلـقة ليس إلا.
تسرد الشخصيات عن تجاربها النادرة مقارنة مع العظماء من العالم، أمانتها هي الوثيقة المحكية التي تتراص عليها فكرة الفيلم، الرأي أو المقولة هو البيان الذي يحمل هوية تلك الأفلام السينمائية، المنطقة الجغرافية بين طبيعة خلابة وجبال عالية وعشوائيات متعبة، تطلع لنا تلك المشاهد بارتباك الراوي ونشره لحقائق معرفية تُراكم لدى الآخر الكثير من الأسئلة الصعبة، إشارات التعجّب كثيرة، والدهشة مميزة، حكايات عن الماضي وصور تالفة ابتلعتها الذاكرة.
أيضاً في تأريخ الذاكرة ثمّة فيلم مميز عنوانه (ساعة أخيرة معكِ) لمخرجة إيطالية تدعى (ألينا مارازي) حيث تقوم المخرجة بعد مرور ما يقارب ربع قرن بالعودة إلى الذاكرة لاستعادة قصة حياة والدتها التي هجرتها وهي في السابعة من العمر، ذلك باستخدام الأرشيف المنزلي للصور والمذكرات الخاصة بأمّها ورسائلها التي كانت تبعثها إليها في فترة بعدها عنها، حيث كانت المخرجة تقيم في (إيطاليا) وأمها تقيم في أمريكا بسبب مرض عضال استعصى الشفاء منه أودى بحياتها فيما بعد.
يطوي الفيلم الكثير من الصفحات واليوميات القاسية والصور الغامضة التي تتوارى وتظهر مشكّلةً نمواً درامياً موثّقاً، ويعتمد على أسلوب الرواية القصيرة المبنية على صور عابرة لمشاهد تلتقط نبوءة عيني الشخص بما دوّنه خلال نفس الفترة التي يعيشها، كأنه هو من يتحدث عن أحواله وانهياراته النفسية، كأنه خجول من أرشفة حزنه وتسجيله كدرسٍ في الصبر والتضحية، وكيف لا يعظم ذلك وبطل القصة (أمّ حقيقية)..؟
سينما الواقع متعة مشتهاة في معظم نتاجاتها، وظاهرة مهمّة ومميزة، يديرها كادر من الشباب النشيط والفنيين المختصين، جهد كبير يبذل لإنجاح هذا المشروع الذي يطبق عامه الثاني مقتفياً أثر الإنسانية بصورة شعاعية عن الحياة، يلتقطها بشر طارئون لا تهمهم الشهرة

