عمر الشيخ

Omar Alshikh

شاعر سوري، كاتب صحفي وباحث في الشؤون السياسية

سؤال الخوف في سورية الجديدة

لوحة للفنان سبهان آدم تصور ثلاثة وجوه تعبيرية على خلفية حمراء وخضراء، مرافقة لمقال سؤال الخوف في سورية الجديدة

أخيراً، عاد المعارض السوري القديم، مأمون الحمصي، إلى كندا، مصاباً بخيبة أمل كبيرة بسبب نشاطه السياسي وخصومته مع السلطة التي تمسك الحكم “لمرحلة انتقالية” في سورية اليوم. ولعلّ أبرز ما كشف عنه الرجل في خطابه ما تعرّض له من تهديد ووعيد من داعمي السلطة. ثمّة، إذاً، حضور عنيف للغة التهديد في عددٍ متزايد من حالات الاختلاف مع الحكومة الانتقالية ومَن حولها من موالين؛ فربما كان جزءٌ منهم مع الثورة السورية، بينما يبدو أن أغلبيةً منهم ساهمت في ترسيخ حكم عائلة الأسد قبل سقوطه. وأعرف كثيرين منهم ينشطون حولي، اجتماعياً ومهنياً. هؤلاء يتحرّكون مع التيار، يميناً ويساراً، وتطرّفاً وتشدداً، من دون أدنى قدرة على فهم الاختلاف مساحةً للتشارك، وتقليل سوء الفهم، والعمل السياسي الجاد في تقرير مصير البلاد والشعب. هم أنفسهم من كانوا زادَ المحرقة في إطالة عمر النظام السابق، ومن حاضنته الاجتماعية التي صنعها حزب البعث في مؤسّساته وأنماط حياة أتباعه، واستقرّت في جانب من اللاوعي الشعبي في سورية.

الخوف السوري ثمرة تاريخية للعنف؛ كلما أكل الناس منها ازدادت انتشاراً، وبلاءً، وقسوةً، وتهديداً. هذا الخوف، الذي ترسّخ في المخيّلة الاجتماعية، أنجبته حالة تقديس الزعماء؛ تقديسٌ يفتقر إلى تقدير العقل البشري والتمييز بين الانقياد الأعمى وراء الضوء، وتأمّل الضوء لرؤية مسار الطريق نحو المستقبل والعدالة والحرية، فهل ثمّة وعودٌ بالتغيير، أم تزييفٌ له؟ أم أن الواقع لا يدلّ إلا على استبدال الطرابيش؟

النقاش السوري العام، بعد أكثر من 21 شهراً على سقوط نظام الأسد، لا يشير إلى انحسار هذا الخوف بقدر ما يكشف عن نموّ أنواع مختلفة منه. تصعد أسهمها كلما تعزّز الاستقطاب السياسي؛ الذي يحيل الحوادث على منطقة المواقف، بدل منطقة المساءلة، ويتعجّل العثور على طرفٍ يُلقى عليه اللوم. وبهذه الصورة، تتحوّل الأزمات، من تهديد يطاول مستقبل المرحلة الانتقالية وينعكس على كل السوريين، إلى فرصة لترسيخ سردية مضادّة غير وطنية، وفق ما نرى. ولهذه المخاوف وجوه قريبة من حياتنا اليومية. منها ما يتجسّد في خسارة تاريخية لأشخاص كنّا نعتبرهم نخباً فكرية تسعى إلى قيادة المجتمع نحو الدفاع عن حقوقه، فإذا بهم يطالبون بتقسيمه إلى ولاءاتٍ تخدم أجندة السلطة؛ ولاءات تحمل لافتة “مع” أو “ضد”، لكنها تظل، في الحالين، قسمةً من نوع ما. فشكل الدولة لا يزال يتخبّط في حوكمة تنهل من هنا وهناك، من دون أن تستقرّ على أساس واقعي يمسّ حياة الناس والقوانين وطريقة إدارة الاختلاف. وثمّة خوف آخر يتبرّع به أناس لا يملكون أصلاً ناصيةً سياسيةً رسمية. إنهم جماعات أو أصوات رديفة؛ ربما توجّهها السلطة، وربما تتحرّك من تلقاء نفسها، وفقاً لما اعتادت عليه أيام النظام السابق. وهي لا تحتاجُ دائماً إلى أوامر مباشرة؛ لأن ما في ذاكرتهم الأسدية يكفي لكي تعيد إنتاج الخوف.

والخوف أيضاً من السجلات الحدودية للسوريين، حيث تنتظرهم تهمٌ تستدعي ملفات “كفّ البحث” وصراعاً مرهقاً مع الدولة العميقة التي لا تزال حاضرة في الحوكمة والقوانين والمؤسّسات الخدمية. الخوف أن يجد السوري الذي دفع ثمن معارضته للنظام، وحاول أن يكون صوتاً لآلاف المقهورين الذين تهدّدهم آلة الأسد القاتلة، نفسه اليوم عاجزاً حتى عن النظر في عيون موظفين خبروا دهاليز المؤسّسات الحكومية، وهم يوجّهونه إلى “كفّ البحث”، وكأنّ الشخص وُلد ليعود إلى رهاب السجون والمراجعات الأمنية. وقد كتب أشخاصٌ يعملون في الصحافة والإعلام عن تجارب مريرة في هذا الشأن. إنه خوف رسميّ تلخّصه ملفات الأسد القديمة التي تستخدمها السلطة اليوم في دمشق، على نحو غير مفهوم، لترتيب أوراق السوريين في الخارج والإمساك بأعناقهم جيداً. وخوفٌ آخر له شكل الدبلوماسية. ففي بلدان كثيرة، لم تستطع الحكومة أن تفرض تغييراً في الطواقم الدبلوماسية التي مثّلت الأسد لسنوات طويلة. أولئك الذين كتبوا تقارير أمنية ضد السوريين في الخارج، وعملوا في محطات الاستخبارات السورية تحت ظل السفارات، هم أنفسهم ما زالوا في أماكنهم، لكن بختم جديد للنسر الجديد. فما الضامن ألّا يكونوا، في أنماط إدارتهم، طغاةً وأسديّين؟ لا ضامن، طبعاً.

على المدى المنظور، قد لا يفكر المرء في العودة إلى سورية لأن شروطها غير متوفرة، وفي مكان آخر سوف يتم تسييسها ليكون لدى العائدين مكان وسط الوضع الاقتصادي المتهالك، وأمام غياب التشاركية في العمل السياسي وعودة الصراعات القديمة- الجديدة بين القادة الروحيين والقادة السياسيين في المجتمع، وتبقى فرضية اتهام جهاتٍ بعينها بالدعوة إلى عدم الاستقرار في سورية قائمةً، ما دامت أجنحة داخل تكتلات بعينها تتلقى دعماً مشبوهاً ربما يعزز الانقسام.

معايشة السوريين للحروب منحتهم خبرة مريرة في التكيّف مع الأزمات، لكنها لا تسلبهم حقهم الطبيعي في أن يعيشوا بحرية ومن دون خوف. وفي الحساب أيضاً صراعاتٌ أخرى بين فصائل معارضة ترفض الاندماج المهني في الجيش السوري الجديد؛ وهو رفض يشكّل إحدى المعضلات الكبرى التي تهدّد استقرار الدولة.

الخوف هو أيضاً تهديد لمستقبل التفكير في سورية. كلما أطلّ برأسه، تساقطت أمامنا مشاهد موثقة في الفضاء الرقمي وغيره عن الإقصاء الحاد، التشهير، التهديد الجسدي… وبالعودة إلى تسمية “ثمرة العنف”، يمكننا أن نتذكّر أن الطائرات الحربية التي كانت تُستخدم لقصف المدن السورية المعارضة، والمدافع والبنادق والرصاص بكل حالاته، كانت موجّهةً بيد الأسد ضد الثورة السورية، فلا يغيب عن بالنا أن المشاهد القاسية في حياة الناس لن تساعدهم على استلهام الصبر. وأيضاً، هل الحل في الخوف والتهديد بعد سقوط أكثر الأنظمة وحشية في المنطقة؟ لا ريب أن السقوط كشف الكثير من طبيعة المجتمع السوري، هشاشة ومشكلات معقدة، ولا ريب أن فرصاً كثيرةً للتواصل والنقاش والاستثمارات والتعاون والصراع السياسي السلمي حاضرةٌ اليوم، لكن من يفتح لها الباب؟ من يعطيها الأمان لتعمل؟

نُشر هذا المقال أولاً في صحيفة «العربي الجديد» بتاريخ 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. قراءة النسخة الأصلية.

الصورة: لوحة للفنان سبهان آدم، عن «العربي الجديد».


المقال السابق

اترك تعليقاً