عمر الشيخ
تاريخ: إبريل 2025
مقدمة: مؤسسة في قبضة الخوف
في مرحلة ما بعد سقوط النظام، تزداد أهمية العودة إلى ملفات المؤسسات الرسمية، ليس فقط من أجل كشف الانتهاكات، بل لفهم كيف تم إنتاج منظومة الرعب الأمني داخل أجهزة الدولة، وفي مقدمتها الإعلام الرسمي، الذي ظلّ أحد أخطر أدوات الضبط الرمزي في عهد نظام الأسد.
تُقدّم الوثائق التي حصلنا عليها لمحة عما جرى داخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، من خلال أربع حالات موثقة، تشمل ممارسات تضليل، استقواء، محسوبية، وتلاعب مهني. وهي وثائق مصدرها وحدة تخزين (USB) تعود لكاتب ومخرج إذاعي معروف، وفيها مواد موجهة إلى شخصيات عليا، بينها اللواء ذو الهمة شاليش، ما يُبرز البنية العميقة التي ربطت الإعلام بالمؤسسة الأمنية.
أولًا: حين يصبح اسم شاليش مظلة للترهيب
في رسالة داخلية أرسلتها إعلامية بارزة إلى اللواء ذو الهمة شاليش، نُطالع حالة نصب واحتيال خطيرة تعرّض لها فنان تشكيلي وزوجته، على يد أحد المقاولين بمساعدة موظف في الهيئة. وتمّ استخدام اسم شاليش لترهيب الضحايا والتغطية على الجريمة:
“يستدرجون الضحايا إلى فيلل فخمة – على طريق المطار الجسر الخامس – يقف على أبوابها الحرس من المسلحين.“
وفي ظل غياب الاستجابة القضائية، لجأ الضحايا لمحاولة إيصال صوتهم إلى شاليش مباشرة، ما يكشف كيف تحوّل الأمن من حماية إلى أداة سيطرة يستخدمها حتى الخارجون على القانون، طالما ادّعوا صلتهم بالسلطة.
ثانيًا: الإذاعة كمزرعة شخصية – شبكة مدير سابق
في شكوى جماعية موجهة إلى رئاسة الوزراء، تحدّث موظفون عن مدير سابق للإذاعة بوصفه رأس شبكة فساد منظّمة، حوّل المؤسسة إلى مزرعة عائلية يعمل فيها: زوجته، ابنته، أشقاؤه، أقارب من الدرجة الثانية.
ويتّهم العاملون المدير السابق بتقاضي مبالغ ضخمة لصالح هذه الشبكة، رغم غياب أي دور فعلي لهم. كما تتضمن الشكوى اتهامات خطيرة بالتحرش واستغلال الموظفات مقابل وعود بالعمل:
“استدراج الموظفات وتهديدهن بقطع أرزاقهن… واستغلال الفتيات الراغبات في الغناء أو الظهور الإذاعي.“
كما يُذكر في الشكوى وجود أسماء وهمية على عقود إنتاج الدراما والأغاني الوطنية، تُستخدم كواجهة لصرف مبالغ تُعاد إلى المدير وفريقه المحيط.
ثالثًا: النقابة بوصفها درعاً للنفوذ – حالة فنية مشهورة
في شكوى فردية كتبها أحد الكتّاب الإذاعيين المعروفين، تم تسليط الضوء على فنان ونقابي معروف، ظهر فجأة كمخرج إذاعي من دون مؤهلات أو خبرة مهنية، واستحوذ على برنامج “تمثيلية الأسبوع” الحساس، ووزع الأدوار حسب ولاءات انتخابية:
“هناك إجماع على أنه يستغل صفته النقابية لتوزيع الأدوار بما يخدمه انتخابياً.“
كما تم تغيير نصوص الكاتب من دون علمه، ونُسب تنفيذ التمثيليات إلى هذا المخرج رغم تغيبه عن العمل، ما يُظهر وجود تداخل خطير بين النقابة والإدارة في تغييب المعايير المهنية.
رابعًا: “في حضرة الغياب”… عن الإجراءات الرسمية أيضًا
الوثيقة الرابعة توضح كيف جرى تسجيل أصوات لمادة درامية تعاونية بين الهيئة وشركة خاصة، من دون أوامر إدارية رسمية، وإنما بناءً على “حاشيات” وتوجيهات شفوية من مدير المؤسسة، ضمن مسلسل يُفترض أنه عمل وطني عن الشاعر محمود درويش.
“سُلّمت مغلفات مغلقة، ثم جرت تسجيلات صوتية بدون أوامر إدارية واضحة…“
ورغم أن التسجيل كان بسيطًا، عبّر الكاتب عن خشيته أن يُستخدم ذلك لاحقًا ضده، في غياب أي غطاء قانوني، وهو ما يعكس هشاشة موقع الموظف في ظل الغموض الإداري المُمَنهج.
الأنماط المستخلصة من الوثائق
- استغلال الحماية الأمنية كغطاء للخروقات
- تحويل المؤسسة إلى كيان عائلي أو شللي
- انهيار الحدود بين النقابي والإداري
- استخدام المغلفات والتوجيهات الشفهية بدل المسارات المؤسسية
- الخوف كحالة دائمة في الإدراك المهني: كل عمل قد يُستخدم ضدك لاحقًا
الأسئلة المفتوحة بعد سقوط النظام
- من هم الموظفون الذين سهّلوا تمرير العقود والأسماء الوهمية؟
- ما العلاقة بين النقابات المهنية والأجهزة الأمنية؟
- هل أُنشئت فيلا “الجسر الخامس” كموقع أمني غير رسمي؟
- ما دور مؤسسة الإعلان في تمرير إنتاجات فنية مشبوهة؟
- ما عدد العقود التي أُبرمت لصالح أقارب موظفين كبار من دون أي عمل فعلي؟
خاتمة: نحو عدالة مؤسساتية تعيد الثقة
ما تكشفه هذه الوثائق ليس مجرد فساد فردي، بل نمط سلطوي متكامل، حيث تتحول مؤسسات الدولة إلى واجهة لتمكين العلاقات الشخصية والشللية، ويُستعمل التوجيه الشفهي بدل القانون، ويُترك الموظف بلا غطاء مهني.
اليوم، بعد انهيار هذه البنية، يصبح من الممكن تفكيك هذه الشبكات من دون كراهية أو انتقام، بل عبر الشفافية، المحاسبة، والمراجعة المؤسسية. فالإعلام الذي استُعمل لتثبيت الخوف، لا بد أن يعود ليكون صوت الناس… لا مرآة النظام.
