حاول أن يلتقط لزملائه صوراً عابرة وسريعة دون أن ينتبه أحد، وحين أشاع نشرها على الفيس بوك اكتشف فعلاً تفسيراً جديداً للوحشة، كان كلما تأمل قليلاً في السحنة المفزعة ابتعد للخلف، خطوة نحو عزلته وخطوة نحو الطريق الفارغ إلا من الصقيع، كان يحاول أن يخلط بين زحامهم وفراغاته الصغيرة، لم يكونوا صغاراً، لكنهم أصدقاء مؤجلون، وجدهم العمل في المقدمة، ولم يجده قرب أحد أكثر منهم، عبرت عدسته من قلبه نحو صمتهم، لم يحدث شيء لكنه تأكد أنه غريب دائماً بالقرب من كل تلك الصور.
كتب تلك السطور وكان يفكر بمشروع زاوية حول الاستياء، بعد أن انتزع من ذهنه أن كل ما يحدث هو قدر، حتى الشتائم والتخوين المجاني لم يعد يعنيه كثيراً أن يكتب عنه، كان يريد أن يمسك طرف خيط الحالة وها هي الآن تسحب مخيلة فكرته نحو الأصدقاء الغائبين في عزّ حضورهم، تلك البؤرة المسماة اختلافاً أفقدته كل شيء تقريباً.. الأهل، الزملاء، العابرون، الوجوه المتعبة، كلهم كانوا صوراً ستلتقط في تلك العدسة ذاته لشخص منسوخ على ملامح الجميع، كلهم ذاته، بينه وبينهم مجرد فراغ ممرغ بالثرثرة والمراوغات والاستياء المبطن، يشتركون بذلك تماماً، الاستياء، التخبط بوضوح دقيق حول ذلك الشعور، كانوا يتجولون في عيون بعضهم بشكل سريع، وهو ظل مجرد أوهام لهذه السطور..
حين مرت الساعات وأثبتت له مدى إخفاقه على رصد هذا المشهد القصير من يومياته في مقر عمله، أطلق لموسيقا الكمنجات الموزارتية مخيلة النص وبات يفكر في الأقنية التلفزيونية التي سيقضي خلالها سهرته، في حين يفكر كيف يمكن أن يقوم بعملية انتحارية في شارع الاستياء للقضاء على كل كائناته ومصادره الروحية والفكرية، كيف سيحوّل تلك الطاقة الباذخة إلى لوحات مضحكة، يتسلى بها عابرون على صفحته الشخصية في فيس بوك، ثم تذكر أن العنف استياء آخر سيترك أشلاء وذكريات وشخوصاً ربما أخطؤوا طريقهم فمروا من شارع الاستياء، المشكلة ليست في الشارع ربما، المشكلة في نص قصير ومناسب يمكن أن يمرمر الاستياء حين يقرأه أصحابه.
ما الذي نبحث عنه؟ ما الذي ننتظره؟ ما عادت الشوارع تعطي إلا الضحايا بأرخص الأثمان، والمقيمون الذين اتخذوا من شاشات كومبيوتراتهم منبراً للتنظير من أجل العباد، احترقت أوراقهم!! فهم شجعان في الخارج، وجبناء في الداخل، هذا استياء من شكل آخر، والأصدقاء المحقون برؤيتهم يطلقون النار على نقد طموحاتهم وحقائقها التي نتجت على أرض الواقع، فإذا كنت في مهب النقد، سيشغلك من جديد تصويرهم لتؤكد لهم ولك ولجمع أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، لكن هنا بيننا تماماً، قد قتلنا الاختلاف، قتلنا بشكل جيد وبطيء، وخلّف لنا في الأرواح بقع استياء لا يمكن أن تزول بسهولة..
سأل نفسه مجدداً هل تصلح هذه الأفكار إلى الآن لتبدأ بزاوية حول مصرع الاستياء، فرك عينيه قليلاً، ثم أخرج من جيبه الكاميرا التي وثقت لوجوه الاستياء تلك، بحث عن وجهه، لم يصوره أحد، لم يجد وجهه بين الوجوه، رغم أنه لمح كتمانه وحضوره في تلك الأمسية، لكنه اكتشف أن درجة الاستياء التي شحنت على أوجه الحضور (الزملاء) على وجهه، على شاشة الكاميرا تجاوزت حالة النص، وصار بالإمكان التوقف عن الحديث عن ذلك الشيء (الاستياء) بسرعة شديدة لأن مصرعه قد ظهر للتو كخبر عاجل على موقع تويتر، حيث حذفت كل تلك الصور مع أصحابها وبات الرجل يصور أشياء أكثر حياة وأكثر قرباً من أوهام الأمل..
مصرع الإستياء
0
