بلوتوث البارون

عمر الشيخ
خاص بالموقع

تركت المسلسلات التركية المدبلجة لدى المشاهد السوري عشرات الهواجس والأحلام المثقلة بالطموحات الاجتماعية، حيث قام معظم الناس بجعل شخوص الدراما التركية الجديدة أيقونات حياتية تعوض بعض النواقص النفسية التي تصيبهم، وذلك من خلال وضع صور أولئك النجوم كخلفيات للهواتف النقالة أو كصور شخصية على الفيس بوك أو حتى كموضة ثياب وأسلوب حديث جدي نصطدم مع أصحابه كل يوم في كل مكان وهذا يضعنا أمام عينة كبيرة من المرضى المصابين بحمّى التبعية والتقمص الأرعن..
وما يثير الضحك فعلاً أن يقوم أحدهم بتسمية حساب البلوتوث على هاتفه النقال بـ (البارون) تيمناً بأبطال سلسلة “وادي الذئاب” تلك الفرجة التي اختصرت هموم الشارع السوري إلى فسحة قصيرة تعنى بمتابعة شيء من الأحداث التاريخية -ربما الحساسة- التي وثق لها بعض كتاب الدراما التركية الأذكياء! وقد زعم صاحبنا أبو بلوتوث البارون أنه تعلم كار البارونية في غابات “المليحة” و حفر “كفربطنة”.. ثم راح يدعم تلك الندبات البارونية بفتح طاولات للحشرات العابثة التي وجدت للحفاظ على داء (الفسفسة) بشكل منتظم، هكذا يلتف البارون حول حشراته الدرامية ليشكل جيلاً شاباً من محيطه المخملي ويفتح انحطاطاً جديداً في تلابيب المجتمع المعاصر ثم ليتحول اسمه من البلوتوث إلى طباع الأفعال الحياتية القائمة على النميمة و تناول زملاء العمل والأصدقاء من بُعد (باروني) دقيق هدفه كسب ود المدير أو المعلم أو الإسكندر الأكبر لضمان وجوده بين أغوات الطاولة المستديرة ذات مقلاة زيت الغيرة الذي يشوى خلالها سيرة كل قريب وبعيد ليرفع نخب البارونية والسفاهة معاً..
ينمو المحيط الفكري لدى الشباب في مجتمعنا حسب معادلة الحلزون، أي بدل أن يمتد عقل أحدهم نحو التثقيف الذاتي ومحبة الآخرين، يلتف حول صور العنتريات و (الشوباش والتوزين) أمام الجميع، ثم يصبح العقل حلوزن نتن يقوم بترك أثر البصاق جراء ثرثرة النسوان لقصص الناس التي لا مبرر للحديث فيها إلا تدني مستوى التفكير و انعدام النبل الإنساني..!
وجهات إعلامية وأخرى فنية و ثالثة ثقافية تعيش الآن انفلونزا التقمص والبارونية على الجوالات وفي دورات المياه.. خلف المكاتب وفي ممرات الأبنية الثقافية.. تحت وطأة (طقّ) البراغي وقصف الرقبة صارت اهتمامات الجيل محصورة في تقديم القربان للوسائط البشرية التي تملك نفوذاً عضلياً يقابله عطالة عقلية توغل كل يوم في مسام أشباه صاحب بلوتوث البارون الذي يعد ضحية الإسفاف الحر والذوق الاجتماعي الهابط.. هل يبدأ الانحطاط مرحلة استثنائية في ذروة الخواء الإنساني والثقافي..؟

أضف تعليق