لوحات منهل عيسى في صالة “تجلّيات” الدمشقية: إلغاء الــمــــوت الـبــســيــط

عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
الاثنين 26 تشرين الأول 2009
العدد 23856

من أعمال منهل عيسى

عبر بياض صالة “تجليات” الدمشقية تنتزع لوحات الفنان التشكيلي السوري منهل عيسى أرواحاً متناثرة. هي تفعل ذلك، على امتداد تداعيات متداخلة، من تشكيلٍ أول لامرأة خفية تتنقل خلال الشخوص المتناوبة لأنسنة انفعالات أحصنة وشياطين، حيث حالات الانبعاث الداخلية الملتصقة بصراخ إنساني موحش.
من أسفل زوايا اللوحات، وبالتقاطع مع فسحة دائمة من البياض الصريح، يضاعف الفنان جرعة الضربات من الريشة العريضة، فتتوالد من ذلك تفتحات كيمياء الماء واشتقاقات الأحمر بين البني القاتم ولطشات الزهري الخفيف على بياض واسع يعبّر عن عراك لغوي بالألوان.
ثمة فراغ موحش في لوحة منهل عيسى، يستقي موسيقاه من إغواء متمرد لطبيعة الذئاب. تظهر الحالة كالتقاط حقيقي لفراغ مملوء بالأمل. يخلق المسببات الحقيقية التي تظهر شظايا انطواء الروح في هموم ذاتية تخاطب قاع النفس عبر عدسة العينين، كما لو أنها ترصيع روحي بألوان متراكضة إلى الرقص.
تبدو أحصنة اللوحات كولهٍ مقحم بالتداعي الروحي، مولود من انفلات حركي ينسّق الألوان القاتمة لتشرح أهمية اللون الأبيض الذي يغيب بشدة في ثلاث لوحات، كتعبير علني عن الحزن، على الرغم من احتلاله معظم مفردات المعرض اللونية. نقرأ تلك التدريجات على قماش شعري ينضح بالعزف الجسدي داخل حيز خاص من الوجود وصراعاته.
يشكل الفزع انحناء سرياً لآثار مخالب ريشة ناعمة لم تعد تفرّق بين الأحمر والأسود، معبّرةً عن حدّة مبطنة لشخص اللوحة في التأمل الأول. أمّا إذا أمعنّا في الزمن بالاقتراب أكثر نحو تفاصيل اللوحة، فستقودنا الهواجس الموسيقية إلى إفصاح خجول عن الخوف والقلق اللذين يأسران انقلابات الفنان الروحية، من صدامات الشرود والأسئلة الصعبة الى الانبعاث بأنقى ما يمكن من بياض وحياة.
تقرّبنا جزيئات التفاصيل المختلفة من هبوط درجة الألوان وصعودها، إلى ألق فكري يعرج على أطياف حيوية. نظرة تمجد انكسارات الأحصنة التي تسيطر على أكثر اللوحات، كتعبير طاغٍ عن بياض ينبجس من تقطير السماكة اللونية بحسب الأصابع التي تجسد الرؤية والهالات المكنونة في صراع الحيوان المخبّأ في قاع كل مخلوق منا.
فكرة المعرض تستند إلى منبع إنساني غائب في أحرّ حالات الرجوع إلى الذات. ليس إمعاناً في الهروب من الصراخ الداخلي، إنما هي ضربات قلب تكمل دورتها اللونية بثقة وجمال وتأسرنا في آمال مدفونة، وتمسح عنا السكون، وتنتفض طليقةً إلينا كوحي الملائكة عندما تحمينا من الموت البسيط.

أضف تعليق