في متى أصبح خبراً عاجلاً..؟! عمر الشيخ يفتح باب الجسد على مصراعيه

جريدة البعث
30-12-2009- العدد 13840
دمشق
باسم سليمان

الأنا هذا الطلل الجديد الذي يقف عليه الشاعر، مستحضراً إياه عبر اليومي المتجلي بياء المتكلم كضمير لم يذوّب به الضمائر الأخرى بل استبعدها، صارخاً: لا أشياء إلا أشياء الأنا.

في نتاجه الثاني الموسوم بـ «متى أصبح خبرا عاجلا؟»، يمعن عمر الشيخ في تأكيد الخط الذي ابتدأه في مجموعته السابقة « سم بارد» وهو البحث عن أشياء الأنا وكأنها مسامير يطرقها في حائط أناه لدعمه كحائط من دمشق القديمة كي لا يتهاوى أمام الفكري الإسمنتي الذي لايرى بالأنا إلا رقماً على شاشة بورصة الحياة.

عمر الذي يريد من يومياته أن تكون هويته لا يبخل بالبوح بتفاصيلها وكأننا أمام سير ذاتية، لكن لا تكتب هي بل يكتب صداها الذي يحتويه بلغة شعرية تعف عن الماء للتيمم بالغبار الذي يكنسه بنثره المقتضب بجمل تؤكد ديناميكية تفاعله معها، سواء عبر إيروتيكيات جسدية يدمجها في ظلال الحياة المعاشة محاولاً إفقادها الاستمرار الموسومة به وبثها في العادي، مؤطراً إياها بتداعيات فكرية تبدو للوهلة الأولى أنها مفتعلة ، لكنها كعلاقة الظل بالنور « للغبار اختلاج/ في فضة الخيوط/ طامح في خرائط / مصيدتي/ في كل شرنقة قصيدة جديدة/ عذراء/ وعلى بياض حبري تتلوث/ فرائسي» .

سلطان الغبار البصمة العظيمة للحياة على الأرض، وعندما ننفضها عن أكتاف المعنى، ماذا يتبقى غير خوائه، الذي يواجهه الشاعر عبر حقن شيطان التفاصيل لإثارة زوبعة غواية تنقذ الحياة من تثاؤبها، فيأتي الجسد كفرضية وجود على وجهه تنقش لغة مسمارية وتترك لتجف تحت شمس التجربة لتعود لغة الجسد الند لتلك اللغة التجريدية التي زادت غربة الإنسان عن نفسه بعدما أقصت جسده وكأنه شريط معلومات على سلعة معلبة «أهبط إلى أشجار/ الأرصفة المطلة / على شارع الحمرا/ أشاهد فضائح/ الناس في الطرقات العامة/ كيف يقصدون/ إيلام الأرض/ بخطاهم/ وهم ملوثون/ لا يشبهون شيئاً / حتى إذا فكروا بالأذى/ ينجحون مع أنفسهم فقط!!».
فالجسد الباب الذي تأتي منه الريح يفتحه عمر على مصراعيه، رغبة جامحة في الحياة «تمطرني الشام / بالإغواء/ كأني مارد شهوتها»، ليستتبع هذا في قصيدة أخرى بتأكيد إرادة الحياة «أبرمج عيني/ إلى خوارزميات من الفرح» وهذا الفرح يعاش حيث خطوات الشاعر اعتادت التواجد «يا جرمانا/ ويا باب توما/ يا شارع الحمرا/ يا شارع الشعلان / ويا كلية الآداب / ويا كلية الفنون/ لولاك / يا أماكن الشهوة/ والنساء العابرات/ كنت انتهيت هنا/ كنملة / تذوب / بالكاز/ و/الملح».
هذا الفخار اليومي الذي ينتصب في مزهرية الشعر على يد الشاعر عمر الشيخ عبر ياء المتكلم على خط «متى أصبح خبراً عاجلاً» جاء بكلمات اليومي، مؤكدا تواجد الشعري فيها إذا استخدمت الرؤيا وليس الرؤية، وخاصة أن مناجم الشعر المعتادة قد بهت إبداعها وأصبح متكلفاً ولكن بالوقت نفسه أظهر هذا اليومي تأثيراً جانبياً قد يتحول تلوثا إن لم توضع الفلاتر اللازمة لذلك من هذا التلوث تلك المجانية في القول، بحيث تصبح الجملة الشعرية كالسلعة الاستهلاكية تستخدم لمرة واحدة وهذا متأتٍ من السعي المحموم وراء كلمات جديدة، فيتم استنفاذ هذه الكلمات قبل أن يتم تفجير طاقاتها المعنوية كاملة وذلك بسبب البحث عن الجديد الشعري لكن بطريقة غير رؤيوية ولا تأملية، معتمداً على آنية الدهشة التي يسببها استخدامها، وزيادة على ذلك غياب الإيقاع الداخلي وليس في القراءة الجهورة فقط بل الصامتة، حيث تشعر أن الجملة الشعرية صعبة لا سلاسة بها.
وهنا نسأل السؤال التالي الموجه لشعراء اليومي : هل تستطيع مزهرية الشعر حقا أن تسمو بهذا اليومي الفخاري الذي لم يتعرض للعرك جيدا ولا للشواء في أتون التجربة المعرفية، أن تحميه من التكسر السريع والعطب وخروجه من الذاكرة، حاله حال اليومي الزائل؟!.
استطاع عمر أن ينجو في أكثر قصائده مما ذكرنا ومجموعته هذه تؤكد اتزان خطاه على حبل الشعر وإن وُجِد تأرجح ظهر بين قصيدة وأخرى، فهذه هي التجربة الشعرية تتلاقى بها الخطوات الصحيحة والمتعثرة حيث يضعهم الشاعر أمامه لتأملهم.
«متى أصبح خبراً عاجلاً؟!» مجموعة شعرية لـ «عمر الشيخ» تستحق التوقف عندها، فهي خطوة جديدة لهذا الشاعر، صادرة عن دار التكوين دمشق 2009

أضف تعليق