جريدة البناء السورية
دمشق
العدد 441
د. طارق العريفي

«سمّ بارد» الديوان الذي هرب من مقصّ الرقيب، ففاضت منه رائحة الجنس والبغاء، وذُبحت فيه اللغة على مقصلةِ الفكرةِ الرعناء، وجنحت عربته عن الطريق المرصوفة لأقلام الأدباء، وهذا السمُّ البارد فيه الكثير من المشاعر والأحاسيس التي يعبر عنها ويترجمها إلى كلمات لاذعة، ولكنه يفتقد إلى الوقت الذي يعود فيه إلى تلك الكلمات ليهذِّبها ويُشذبها ويصحح مسارها قبل الطلوع بها إلى الناس. كما فيه قطيعةٌ مع الماضي الأدبي والثقافي وإلى حد ما اللغوي بمقابل الانفتاح على الحداثة ولغة الحياة اليومية والشارع، الذي يضج بعبارات المارة، وهو إذ يَحمِل الفكرة فإنه تخونه العبارة ولا تسعفه الإشارة، إنه رفضٌ للواقع وهروبٌ منه إلى عالم الخيال لتحقيق معادلة الصلح مع الذات؛ فالواقع النفسي والواقع الاجتماعي يشكلان عاملي ضغط على الذاكرة، فيُرهقانها ويُديران عجلاتها سعياً وراء التغيير، وهروباً من القهر والوحدة، وتحقيقاً لفكرة الوجود الكانتية «أنا أفكر إذاً أنا موجود» في عالم الفكرة واللا معرفة، وبذلك يتناهب الديوان محوران، محور الوحدة والخيال ومحور الحرمان والرفض.
إن «سمّ بارد» يعيش الواقع المر ويسعى إلى التغيير، فيغرق في أوحال الحواري الطينية، والمستنقعات العشوائية، ومن يقرؤه يعتقد للوهلة الأولى، وفي القراءة الأولى، أنه يعيش همّا ذاتياً، ويُعبّر عن ألمٍ فرديّ، ولكن إذا أمعن النظر فيه رآه يعبّر عن آلام جمعية، وإنما يجعل من ذاته «الفرد» منطلقاً للتغيير مثلما هي منطلق للتعبير؛ يقول في «حبال غسيل كئيبة»: (لها أشكال كابلات/ الكهرباء للسكن العشوائي/ كما في حارتنا تماماً/ لا يهمها ماذا تحمل لسياط الشمس/ يقرصها طوال ساعات وبكل طغيان/ ملقط خشب رتيب/ مكملاً لوحةً لسطح بيتنا الموقعة بالخردوات/ ذاك اليائس الذي ينتظر التابوت/ يحمل هذا الحبل أو ربما ذاك/ ثياب طفل صغير/.
وفي نوع من الإسقاط النفسي نجد أن «سم بارد» يسقط الكآبة والألم على تلك الثياب، جاعلاً منها معادلاً نفسياً لألمه: /تتناثر الكآبة/ على ثياب المسكين الصغير/ ولن تخرج أبداً منه/ تباً لحبل الغسيل، تباً للشتاء، تباً للفقر../.
وفي تصويرٍ آخر لهذه الحالة ينقل لنا الديوان المعاناة والبؤس والشقاء من خلال فرحةٍ كبيرة تبعثها في النفس قطعةُ نقودٍ صغيرة لا قيمةَ لها: /في جيب سترتي الجينز المشردة على جسدي/ ثمة قطعة نقود بقيمة 10 ل.س/ تتدلى أرجل شيطانها/ على أصابعي وتقاسمها الدفء/ يدي تمنعها الحب بلا مقابل /ولأن المال ثمن لمعظم أشياء الوجود/ قررت تبديلها كما لو أني أساوم/ على دحاحل غالية على قلبي أيام الطفولة/ أبيعها كي أعيش ثم أفرح.. / إنها السخرية والابتسامة الصفراء في وجه الحاجة التي فغرت فاها وبانت نواجذها كأنياب غول، هذا الغول الذي لا يسحق سوى الفقراء في حين يُدخل الأغنياء في جنّات عدنٍ يحتسون فيها الشراب الساخن على شرفات مقصوراتهم: /وداعاً أيها الهواء/ أراك عند مقبرة «البوابة» / عند انصراف المدارس/ لأعرّفك على حياتي الأخرى، الأجمل!/ أعرفك على أصدقائي الجالسين/ فوق شاهدات قبورهم/ كل مساء كأنها شرفات فيلاتٍ فاخرة/ يشربون حياة شهية كجنان عدن/ منتعلين سطوة القدر ونحيب الرضا/.
وتأخذ السخرية من هذه السطوة شكلاًَ آخر في التعبير ويتحول التهكم إلى رفض لهذا العالم، الذي ينقسم أبناؤه بين البطات السوداء وبين البطات البيضاء، وبين من تحجب عيونهم مرارةُ الأيام والكآبة وبين من تحجبها نظارات الشبح السوداء: /في شوارع السفارات سأمارس جنوني/ بكل رفاهية/ لأني بلا أرصدة بنوك/ لست بانتظار تعليماتكم/ يا أقوياء الأطقم الغامقة/ والنظارات التي بشكل الشبح/ كي أكون أقوى منكم على/ الأقل يجب ألا أرتب/ ألفاظي بآلية محترمة على أني مسالم/.
وبذلك يتحول الرفض إلى تمزيقٍ لكلِّ اللوائح والتعليمات، وإلى حرق لكل الأدبيات والألفاظ المهذبة، ولتأخذ المواجهة شكلاً أشد قسوة وأكثر عنفاً: /ثقوا بي سأوذيكم برفق كمخالب قطة/ لا أحد يقترب مني/ أنا ألبس حزاماً ناسفاً/ من صرخات رصاص الأحزان/ أحمل منه يداً مقطوعة/ لأطفال فكروا أن يرسموا الحرية/ مطمورة دماؤهم تحت رمال من قنابل الغضب في قعر جيبي/ أنا مسلح بمخازن فحم من فمي تكفي/ لأن تقلعكم بقطار إلى جهنم.. /.
هكذا من يعيش بلا أرصدة بنوك ومن يعيش تحت رحمة صرخات الحزن والشقاء فلا شيء يخاف عليه أو يخاف أن يفقده، فلماذا لا يصنع التغيير، وإن كان الثمن أن يتشظى جسده بحزام ناسف يلفّه حول خصره، ما دام ذاك الخصر لم يفتقد فقط القوت الذي يشد قوامه؛ بل إنه كذلك افتقد إلى الأنامل الشهية التي تبعث فيه الروح والإحساس والحياة: /أختزل حيرتي، وأنت تحاولين إشعالي/ فقط لأني أضحك من قرصاتك الشهية/ أصابعك تتحسس من خاصرتي الجنس/ تخاطب جسدي بحفلة حركاتك/ بغية نقل أوعيتي إلى/ جسمك قبل تخريب الهدوء/ اسبقيني سأذهب للبيت/ كي أصلي بنبلٍ (لله)/ لأنك لي وحدي فقط/.
هذا الشكر لله على هذه النعمة في الامتلاك لا تأتي من مجرد وهم ينتقل بها صاحب «سمّ بارد» من عالم الفقد والحرمان إلى عالم الوهم والخيال؛ بل إنها تنبع من حقيقة أن الحرمان يمدّ أذرعه الطويلة فيطول كل شيء حتى العواطف، ليجد نفسه ذاك الشقي محروماً من كل شيء حتى من شريكٍ يملأ عليه وحدته، ويكون له وحده:/ ثيابك أمامي تفوح منها رائحة/ الشهوة الشامية أمامي في الحلم تماماً/ قلبك متروك لي (هكذا قلت)، / أما جسدك للملايين..!/ ليس لي (هكذا أقول)!/ الملايين الذين ينتظرونك/ في الفلم!/.
وهذا الفقد الروحي للشريك الذي يحقق الوحدة، وهذا الافتقاد للتوحّد الجسدي والنفسي، يقود الشاعر إلى رفضٍ آخر تتشابك دوافعه مع رفضه الاجتماعي ليعلن التمرد والعصيان على قواميس المحبوب: /ليس ثمة عاطفة حتماً الآن داخلي/ فأنا آلة من عواطف مبرمجة بحاسوب القصيد/ تناسب عصر السرعة/ فمن أجل أن أشبع شبعي يكفي إيميل واحد/ لأي فندق كي تحضر فتاة خبيرة/ (احذف من قاموسك فكرة أنثى غيري)/ تذكرين كم فضحتني بهذه العبارة/ لن أحذف – بصراحة – سواك/ لأن غيرك تحت دولاب الشهوة/ على أرصفة العائلات الأكابر/ ينتظر فاسقاً مثلي.. /.
وتتكرر مشاهد الفسق في «سمّ بارد» لا من واقعٍ يعيشه؛ بل من فراغٍ نهش الحياة والروح وعشّش فيها الملل: /لتطنّ أذن الملل اليسرى أو اليمنى/ لن أسبّه وحسب بل سأنتهك عرضه/ قولوا له: إن العقد المبرم/ بينه وبين حياتي قد أُلغي/ خلّوه يحضّر أغراضه/ كي يرحل، إنه طالق بالمليون..!/.
ونتيجة هذا الملل أخذت المُخيّلة تُحلِّق في سماء الوحدة: / في هذا البرد الكئيب/ ولأني بلا رفيقة/ سأتوقّع أن البنت/ التي أحاول إغراءها بالليزر/ تصير فتاتي الوحيدة/.
وبذلك يستمرئ الحالمُ حلمَه، ويجعل له بستانَ كرزٍ وبرتقالاً وشفاهاً تهمس، لعل ذاك الهمس يكسر حاجز الصمت الكئيب، ويُبعد وحشة الملل: /هنالك من تتوجه لتفتح سيارتها أتخيلها تفتح فمي لتملأه/ عصير كيوي كلون سيارتها/ وتُدشّيني كالرضيع من فوق شفتيها/ تسطحني على ذراعها النحيلة كجريح الحرب/ ثم تطعمني برتقالاً من بستان بلوزتها/ وكرزاً من تدفق صدرها/ كأني يتيم حب/ تهمس لي: أعبدك.. تسلمْ لي…/.
Dr-arefe@scs-net.org
