كلّما تذكّرت المكان الأول الذي كبرتُ فيه، أذهب إلى محرّكات البحث على الإنترنت لأطمئنّ على الناس هناك، كأنّهم جميعاً عائلتي، ولستُ أدري لماذا؟ علماً أنّ معظم عائلتي قد غادروا من هناك، أبحث عن أخبارهم، أتصل بمن بقي من أقاربي وأصدقائي دون جدوى تعالج تلك النوستالجيا الطارئة.
بينما أحرّر هذا الموضوع، أمطرتُ قلبي بصور الطفولة والوعي الأول للمكان والبيئة المحيطة بي، حيث ولدتُ هناك جنوب دمشق في الحيّ المعروف باسم «نهر عيشة» أو كما حدّثت الحكومة اسمه ليصبح «حيّ السيدة عائشة». ربما يحاولون جعله أقلّ عشوائية!
هذا الحي هو حزام من البيوت والشوارع المتقاربة للغاية، زحام يفوق الـ80 ألف شخص، يعيشون في منطقة تشبه شكل المثلث، تقع قرب حيّ الميدان الشهير، جنوب دمشق، وتمتد بين منطقتي كفرسوسة والقدم.
يحاول الناس هناك بشتى الوسائل مثل آلاف السوريين البقاء على قيد الحياة، ومع الزوار الجدد (يمكن أن تقرأ النازحين) من المناطق القريبة، أصبحت أجرة البيت المؤلف من غرفة وصالون تتراوح بين 300 ألف إلى 500 ألف ل.س، والزيادة حسب المساحة، هذا ما أشار له «ناصر» (33 عاماً) المقيم في نهر عيشة اليوم، وهو يعمل كمحرر في صفحة خدمية عامة تعنى بأخبار الحي على الإنترنت.
إرشاد وتبرع
يعمل ناصر على وصل المنطقة بالعالم الخارجي، فهو يشبّك إلى جانب فريق، بشكل تطوعي، ما بين الأسر المحتاجة وأصحاب التبرعات خارج سورية أو أهاليهم من أبناء المنطقة بشكل أساسي، يقول: «أعمل نجاراً منذ سنوات، لكن دراستي كانت في معهد تقنيات المعلوماتية، لم أجد فرصة مناسبة لتحصيلي العلمي، وكذلك لم أستطع السفر لأنّي وحيد لأمي. كان والدي قد توفي في الأحداث منذ سنوات، أحاول أن أجمع التبرعات العينية أو المالية لمساعدة المحتاجين في الحي وأن أصل الناس ببعضها البعض عن طريق عدد من المجموعات في فيسبوك وخصوصاً من منطقة نهر عيشة؛ والهدف هو تقديم خدمة مجانية للناس من أجل التواصل».
اكتسب ناصر سمعة جيدة وثقة، وهو يعمل في الخفاء تقريباً، خوفاً على حياته من اللصوص أو الملاحقة الأمنية، يقول: «معظم حاجات الناس اليوم تنحصر في إمكانية إيجاد الحطب والمازوت والبحث عن البيوت والمفقودات وبطاريات الشحن المنزلية لأن تقنين الكهرباء طويل ويصل إلى حوالي 12 ساعة في اليوم وإذا كانت الظروف الجوية سيئة، فإن الكهرباء تنقطع ليوم كامل!».
أكثر من وظيفة
يخبرنا ناصر كيف تحوّل حي «نهر عيشة» إلى محج للنازحين من الأحياء القريبة، وكيف تنوّعت اللهجات والانتماءات بغزارة، ويضيف: «معظم سكان المنطقة يعملون في وظيفتين أو أكثر لسدّ رمق حاجة أسرهم، فالموظف في جهة حكومية أو قطاع خاص قد يعمل أيضاً على بسطة لبيع الثياب أو الفاكهة أو في معمل خاص، أو يعمل ناطوراً لمشاريع معمارية في المناطق المدمرة القريبة».
ومن بين الموظفين في قطاع الدولة «أنس. ج» (اسم مستعار) 38 عاماً، والذي يعمل موظفاً حكومياً من الدرجة الثانية في إحدى المؤسسات الرسمية بدمشق، يقول: «أعيش في حي نهر عيشة منذ وُلدت، لدي ثلاثة أطفال، زوجتي ربّة منزل، لا تعمل رغم أنّها جامعية، والسبب هو سوء الظروف وقلّة الأمان في مؤسسات القطاع الخاص، وهي الآن مهتمة بتربية الأولاد».
يشير أنس إلى أنّ راتب الوظيفة لا يكفي أسرته لبضعة أيام، فهو يعمل أيضاً كحارس بعد فترة العصر في أحد المراكز التجارية بريف دمشق، وهذا يعني أنه يعمل حوالي 16 ساعة، كي يستطيع أن يعيل أسرته، يقول: «راتبي من الحكومة ينتهي في اليوم الثالث بعد بداية الشهر ومقداره 130 ألف ل.س، وفي القطاع الخاص حيث الوظيفة الثانية أتقاضى 309 آلاف ل.س، مقابل 9 ساعات دوام يومية طيلة الأسبوع».
ويشير أنس أثناء حديثنا معه إلى أنّ إحدى أبرز المشكلات التي يعاني منها أبناء الحي، هي غلاء الأدوية وعدم ثبات الأسعار عموماً، وضرب مثلاً على ذلك سعر دواء «الأوجمنتين» الذي يصل إلى 20 ألف ليرة سورية، حسب قوله.
ومن صور المعاناة اليومية للسكان في المنطقة: عدم توفر الوقود والغاز والكهرباء، إضافة إلى صعوبة المواصلات المتعلقة بارتفاع أسعار البنزين بشكل مستمر.
يقول أنس: «لقد اخترعت الحكومة لنا شيئاً يُسمّى بطاقة عائلية، والتي نستلم من خلالها عبوة الغاز مرة كل 90 يوماً وقد يطول الأمر إلى 100 يوم، عبر رسالة في تطبيق يدعى Way-in وندفع ثمنها 10 آلاف ل.س، لكنّها تكفينا لمدة 15 يوماً تقريباً، ثم تنتهي! بينما إذا كنت أريد شراءها بشكل حر فإنها تكلفني 170 ألف ل.س».
بيع حر
وتنتشر ظاهرة البيع العشوائي في المنطقة، دون ملاحقة من الحكومة، وعادة ما يكون خلف هؤلاء الباعة بعض العناصر القديمة من ميليشيات «الدفاع الوطني» حسب ما أشار ناصر خلال حديثه.
فيما يؤكد أنس أن هناك ما يُسمّى «البيع الحر» والذي يتوفر فيه الغاز وكل أنواع الوقود السائل، إذ ينتشر السماسرة على طرفي أوتوستراد درعا الذي يقع على أطراف الحي: «هناك أكثر من عشرة أشخاص يبيعون بشكل حر، عدد منهم يحمل بيدونات بنزين، وتباع كل 10 ليترات بـ85 ألف ل.س، أما إذا كان لديك سيارة يمكنك أن تشتري البنزين من كازيات الدولة، مرتين في الشهر، وحسب البطاقة الذكية كل 20 ليتراً ثمنها 75 ألف ل.س».
وأجمع عدد من السكان المحليين في «نهر عيشة» ممن تواصلنا معهم على أن وضع المازوت ليس بأحسن حال من غيره، حيث يحق لكل عائلة حسب «البطاقة الذكية» أن تحصل طيلة الشتاء ولمرة واحدة على 50 ليتراً من المازوت وثمنها 100 ألف ل.س، أما عن طريق «الحر» فإن ليتر مازوت واحد ثمنه 12 ألف ل.س، وعادة ما يستبدل السكان هناك المازوت بالحطب من أجل التدفئة، ويبلغ ثمن الكيلوغرام الواحد من الحطب 3000 ل.س، ويمكن أن يدفئ المنزل لمدة نصف نهار تقريباً، حسب تأكيد عدد من سكان الحي.
أحلام مؤجلة
تؤكد أمل (31 عاماً) وهي تعمل معلمة لغة عربية، أنّ الناس مرتبطون بشيء يُسمّى «البطاقة الذكية» بشكل دائم، حتى إذا أرادوا شراء السكر والشاي والسمنة وزيت الزيتون، وهذا الأخير إذا توفّر في البقالية فإن ثمنه 22 ألف ل.س لليتر الواحد، أما عن طريق البطاقة الذكية فثمنه 13 ألف ل.س، ويحق لكل عائلة ليتر واحد مرة كل شهر!
تعيش أمل مع والديها إلى جانب ستة من إخوتها الصغار، وتشير إلى صعوبات توفير حاجيات هؤلاء الذين ليسوا مؤهلين للعمل بعد، تقول: «إلى جانب عملي في جهة رسمية، أعمل كذلك في تصحيح مخطوطات الكتب لبعض دور النشر، وأعطي أحياناً دروساً خصوصية، وذلك يساعدنا قليلاً في وضعنا العائلي. فأبي يعمل على ميكروباص، وأمي تهتم بتربية إخوتي الصغار الذين يبلغ أكبرهم 16 سنة وأصغرهم 5 سنوات، لدي تقريباً أكثر من 15 ساعة عمل يومياً خلال الأسبوع، ولم أفكر في السفر لأسباب صحية تتعلق بوالدتي، وكذلك من أجل إخوتي الصغار».
وبسبب وجودها داخل سورية، لا يتم تقدير مجهود أمل بشكل مستحق في عملها من قبل بعض من تتعاقد معهم، تقول: «يتمثل القهر الكبير في التعاون مع بعض المؤسسات خارج سورية، مثلاً، عندما أصحح الكتب وأحرّرها وأدقّقها، تكون قيمة تعبي مبالغ سخيفة مقارنة مع ساعات العمل، وفي أي بلد لا يعاني من الحرب مثل الدول الأوروبية، سيكون أرباب العمل أكثر احتراماً، لكن بسبب الحاجة أقبل بهذا القليل».
لم تكن أمل تفكر للحظة أن المستقبل سوف يتغير بهذا الشكل، فهي التي عايشت سنوات الحرب كانت تعتقد أنّها بمجرد التخرج من الجامعة سوف تسافر بحثاً عن فرصة أفضل خارج سورية، لكن مرض والدتها بالسكري وعدم قدرة والدها على تغطية مصاريف البيت بوجود هذا العدد من الأطفال، جعلها تؤجل مشاريع حلمها بالسفر التي باتت بعيدة في الوقت الراهن.
وتختم أمل: «أعرف أن بعض الأحياء تشتري الماء، لكن في نهر عيشة الماء متوفر بشكل جيد، ولا يشعر المرء بالخوف أحياناً كثيرة لأن الناس في كل مكان، كأننا في بيت كبير ضمن هذه المنطقة المكتظة بالفقر والصبر، نحاول أن نجد مبررات للحياة، فيكون الأمل الوحيد هو أن نجعل لهؤلاء الأطفال الذين في بيتنا مستقبلاً أقل وجعاً وأكثر أماناً، ولك أن تتخيل فأنا أشعر بالشبع من الأمومة بسبب انهماكي الطويل في تربية إخوتي مع أمي وأبي!».
ناصر وأنس وأمل هم شباب من أعمار متقاربة، حسموا خيارهم بالبقاء في بقعة جغرافية قريبة من العاصمة دمشق، في بيوت تحتضن بعضها البعض من شدّة البرد والخوف، وأمام هول المأساة والضغط المعيشي كان يأتي صوتهم من هناك عبر الأثير حزيناً مشحوناً بالقوة والحلم بالخلاص. كان صوتهم صورة أخرى للنوستالجيا الثقيلة التي لا تغادرني.
نُشرت المادة ضمن ملف «إرادة المقاومة اليومية في سوريا لدى المواطنين العاديين» في صالون سوريا.
نُشر التحقيق أولاً في صالون سوريا بتاريخ 17 مارس/آذار 2023. الصورة: رسم تاريخي بعنوان «قرب دمشق» (Near Damascus) من المصدر الأصلي.

اترك تعليقاً