رغم أنّ عدداً من المبدعين في سوريا يمتهن أشياء أخرى لسدّ رمق عيشه إلى جانب شغفه الإبداعي في أحد أجناس الفنون، ورغم أنّ الظروف المعيشية تزداد سوءاً في الداخل السوري على الجميع، إلا أنّ الحدث العملاق الذي ضرب مناطق واسعة من شمال سورية زلزل قلوب الملايين حول العالم، ودفع بعض الفنانين والكتّاب إلى محاولات في التبرع بما لديهم من نتاج إبداعي، ربما كانوا يحاولون مساعدة المتضررين من زلزال 6 شباط/فبراير 2023 على طريقتهم وبقدر إمكاناتهم.
ثمّة من لا يزال يمتلك إحساساً بالتعاطف والتضامن مع أبناء جلدته إذاً، يرغب في تقديم ما يستطيع من أجل إنقاذ ومساندة بعض الأسر المنكوبة من آثار ذاك الزلزال، لقد باع معظمهم ما لديهم من نتاج إبداعي بشكل عشوائي ومعلن عبر منصات التواصل الافتراضي، ليشارك الآخرين آلامهم. وبالمقابل هناك من وجد أن مثل هكذا ظواهر كانت «فرصة للشهرة» حسب تعليق أحد الشعراء السوريين المقيمين في أوروبا، بمنشور منذ أيام.
ترى ما الذي دفع بعض الشعراء لبيع مجموعاتهم الشعرية من أجل المساهمة في إغاثة المحتاجين بسبب الزلزال، وكيف من الممكن أن تترك هذه الخطوة أثراً لدى الآخرين في ظواهر المساعدة؟
الشعر أضعف الإيمان
يقول الشاعر والصحفي زيد قطريب في حديثه لموقع صالون سوريا: «لا أملك عقارات أو أرصدة في البنوك.. ليس لديّ صمديّات أو تحف. اسمي بريء الذمة تماماً في سجلات وزارة المالية والاقتصاد. حتى بمعدلات الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسف، يمكن أن يضعوني في قاع الفقر».
ويضيف: «لديّ مسودات كثيرة تنتظر فرج الله كي تذهب للمطبعة، وباعتبار أن الانفراجات تأخرت على السوريين بشكل كبير، لم يكن بالإمكان أن أواجه تلك السادية التي يتعرض لها الشعب السوري، إلا عبر بيع الكلمات التي أملكها. وقد نشرت إعلاناً عن بيع مجموعة شعرية، وبصدد الإعلان عن بيع كتاب نصوص ساخرة، فما نفع الكتابة إذا لم نتمكن من انتشال بعضنا من قاع الموت؟».
وفي هذا الصدد لا يعتبر قطريب أن الكتابة رفاهية. فهو شخصياً ليس لديه طموح بصناعة الانعطافات في الكتابة العربية، مؤكداً: «لا مانع لديّ أن تحفظ كلماتي التي أبيعها كرامة أهلي وأبناء جلدتي الذين يتعرضون اليوم لأقسى اضطهاد في التاريخ، حتى من الطبيعة التي لم يسلموا منها! إننا نبيع أعز ما لدينا، هكذا وبكل بساطة، وليحسبها الآخرون مثلما يشاؤون، فما يهمني أنني تمكنت من التبرع بمبلغ 500 دولار إلى المنكوبين ولم أقف عاجزاً مكتوف اليدين».
وعن طريقة الترويج لمثل هكذا مبادرات يتساءل زيد: «لماذا يحق للمنظمات الدولية والأهلية وللدول العالمية أن تصوّر طائراتها وهي تحمل أكياس الرز والبطانيات للشعب السوري، ولا يحق للفنانين التشكيليين والكتّاب أن يعلنوا عن بيع لوحاتهم ونصوصهم من أجل توفير هذا الدعم؟»
ويضيف: «كلّ من تبرعوا لهم تجارب مكتملة ولا يحتاجون أخباراً عابرة على السوشيال ميديا، فليذهب الفيس بوك إلى الجحيم، ومعه التيك توك واليوتيوب وما لمّ لمهم. المهم أننا نفعل أضعف الإيمان، وهو أقلّ ما يفرضه ما نسميه الانتماء لشعب تخلّى عنه الجميع».
ويستغرب زيد ممن ينشغلون بأسلوب التبرع ولا ينشغلون بالتبرع نفسه (!) مشيراً إلى أن المشككين في هذه الخطوات، غالباً «هم عالم كحتة لم يقدموا شيئاً سوى الكلام الفارغ من وراء البحار، وبالتالي لم يشعروا بكلّ ما يجري في سوريا التي تُذبح وحيدة دون أن يوقف السكين أحد» بحسب وصفه.
ويختم زيد قطريب حديثه بالقول: «العملية لا تحتاج إلى ندوات لتنظيم أساليب التبرع، بل إلى حملات للتشجيع على التبرع. ليتبرع كل الناس بأعز ما يملكون، وليحصدوا الشهرة، فما المشكلة في ذلك إن حصدوها فعلاً. نمارس الكتابة، ونحن مقتنعون أننا منظمات إغاثة فعلاً. منظمات يمكن أن تهدي الأمل وتضيء الطريق عبر النصوص العزلاء التي تقاوم المخرز، ومنظمات إغاثة يمكن أن تساهم في تأمين بعض من العيش الكريم للأهل إذا ما اضطر الأمر. لذلك، كونوا للحق والوطن والمشاعر الإنسانية.. أيها السادة المبجلون!».
في حضرة الركام
يقول الشاعر السوري آرام في حديثه لموقع صالون سوريا: «لا بد أن نتذكر ما كتبه جبران خليل جبران في عبارته الشهيرة (لا تغنِّ للجائع فإنه سيسمعك بمعدته)، ومع ذلك بقي وسيبقى الغناء مستمراً، وكم منّا غنّى ليؤانس وحدته أو عزلته أو ليبدّد خوفه، لكن بالتأكيد؛ خوف عن خوف يختلف».
ويضيف آرام: «ماذا تفعل القصيدة في زمن الكوارث الطبيعية؟ أو ماذا يمكن أن يقدم أي عمل فني لمنكوبين فقدوا بيوتهم، أو فقدوا عائلاتهم وأقاربهم، وفقدوا الأمان بكل معنى الكلمة، وأصبحوا مشرّدين بين الركام؟»
بادئ ذي بدء، القصيدة ليست مهمتها إنقاذ الكوكب، أو إيقاف زلزال، ولا يمكن للشعر أن يتولى أي عملية إنقاذية بالمعنى العاجل الإسعافي، الحرفي للكلمة، أي لحظة الدم أو الانهيار أو سقوط سقف بيت وتهدّم جدرانه، لكنه يبقى نوعاً من الصلاة، التي تقوّي، ونوعاً من الملاذ لكل مشرّد قلب أو روح أو عاطفة، ونوعاً من العمل الفكري الخلّاق الذي يمزج بين عناصر جمالية ومعرفية مختلفة، على حدّ تعبيره.
ويعتبر آرام أن «عموم الفن لا يمكن أن يقوم بأي عمل ميداني، وإنه سيحظى بتقدير أقل، وأن مبادرات بعض الفنانين والشعراء تمثل نوعاً من التحريض الإنساني لأشخاص، ربما يكون امتلاك عمل فني بالنسبة لهم أهم من إرسال مبلغ من المال لضحايا الزلزال أو فرصة للحصول على مقتنى فني بأقل من ثمنه الحقيقي بكثير، أو نوع من إشاعة ثقافة العمل الإنساني.. وبالعموم مثل هذه الأعمال الإنسانية، الفنية الإنسانية، لا تنجح في البلد المنكوب نفسه، فلا بد أن تحدث في مجتمعات مستقرة».
ويؤكد آرام: لا يمكن محاسبة نوايا أي فنان أو أي شاعر، لبيع بعض من لوحاته أو دواوينه، في محاولة لتقديم أي نوع من المساعدة للمدن المنكوبة. في النهاية كل يساعد بحسب إمكانياته وقدرته؛ ففي محاولة وصف البعض ممن حاول أن يضع قصيدته أو عمله الفني في خدمة ضحايا الزلزال، بأنه نوع من البحث عن الشهرة، نوع من التجني! فما المشكلة أن يضع فنان تشكيلي ريع لوحاته الفنية لمساعدة المتضررين من الزلزال؟ على حد قوله.
ويختم آرام: «ربما في الشعر يبدو الأمر مستهجناً أو غريباً بعض الشيء، فلم تدرج العادة أن يبيع شاعر دواوين شعره، لإرسال ريعها لمنكوبين لا حول لهم ولا قوة، ومع ذلك حصلت، رغم أني شخصياً أفضل الذهاب بنفسي لإغاثة من هم تحت الأنقاض أو مساعدة الأطفال وكبار السن، عوضاً عن أن أبيع كتبي الشعرية، لكن لكل منا وجهة نظره وزاوية رؤيته، وبصورة عامة لا يجب السخرية من أي شخص لديه النية الطيبة لتقديم العون الإنساني، بأي طريقة كانت. كما أن الكثير من الشعراء -وأنا منهم- يعتبرون بأن الشعر في كثير منه هو احتفاء لغوي وجمالي بالخسارة، وإن كان في كثير منه أيضاً هو احتفاء بالمعنى. لكن بالرغم من كل شيء، إنه لجميل أن نجد أحداً يفكر بالمساعدة والعمل الإنساني سواء أكان فناناً أو شاعراً أو غير ذلك، لكن العمل الإنساني بحد ذاته لن يصنع شاعراً عظيماً، فعظمة القصيدة في القصيدة نفسها، وعظمة اللوحة -كذلك- في اللوحة نفسها».
لوحات لمساعدة المنكوبين
كانت الأعمال التشكيلية هي أيضاً في موضع البيع من أجل مساعدة المتضررين من الزلزال، ومن بين الفنانين الذين ساهموا في بيع لوحاتهم ليقدّموا ثمنها كمساعدات، الفنانة والمهندسة ريما الزعبي، التي أكدت في حديثها لموقع صالون سوريا: «إن المبادرة كانت دون تفكير مسبق أو قرار أو تردد، لقد ساهمت بما عندي وهو أعمالي الفنية، هي كل ما أملك، كانت سرعة الخاطرة هي ما انتابني بسبب رؤيتي للحاجة الملحّة من أجل المساعدة. بدأت أعرض أعمالي عبر فيسبوك، دون انتظار تنسيق مع أي أحد، أنا لا أنتمي لأي جهة، لا اتحاد الفنانين ولا النقابات. كنت مغتربة طيلة عمري، وعدت إلى سوريا منذ ثلاث سنوات بقصد العيش هنا والاستقرار. لقد أقمت أكثر من خمسة عشر معرضاً فردياً حول العالم ولديّ معارف كثر في الخارج؛ بسببهم كان التجاوب رائعاً من أجل بيع اللوحات للمساهمة في مساعدة متضرري الزلزال».
وتضيف: «بعد أن بدأت مبادرة بيع اللوحات هذه، بدأت الفكرة تنتشر، وصرت أرى العديد من الفنانين يقومون بذات الشيء بعد أيام قليلة. وهذا شيء إيجابي كون الهدف الأسمى منه هو المساعدة، حتى أن البعض اتصلوا بي كي يسألوني كيف يستطيعون أن يقوموا بنفس الخطوة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن أغلب أعمالي تم اقتناؤها من قبل أصدقاء ومعارف لي خارج سوريا ومن قبل متابعين لصفحتي الشخصية في فيسبوك مباشرة».
وتؤكد ريما أن عمل الخير هو أهم ما يمكن فعله في اللحظات الكارثية، سواء كان هذا العمل فردياً أو جماعياً، هو عمل واحد وواجب دون تفكير أو تردد من أجل إنقاذ ما يمكن من الناس. ولكن بعد أن تتسع دائرة الحاجة يدخل العمل المؤسساتي ليبدأ دوره في الترتيب والتنسيق. إن البيروقراطية في الكوارث تقتل وتزيد من الخسائر على كل المستويات، حسب رأيها.
لم تحدد الفنانة ريما الزعبي أسعاراً معينة لأعمالها المعروضة للبيع، وتركت أمر التقدير للمقتني بما يتناسب مع وضعه وقدرته ضمن حدود مقبولة كسعر للوحة. وتشير ريما إلى أن الشريحة التي وجّهت النداء لها حين عرضت أعمالها الفنية للبيع؛ هي شريحة الأصدقاء والمعارف الذين هم خارج سوريا معظمهم من المغتربين ومن ذوي الضمائر الحية، حسب وصفها.
وتختم ريما حديثها بالقول: «إن ما يهيمن على حياتنا في سوريا هو الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة، ويوجد هنا أناس لا يترددون أبداً في المساعدة ولو بأقلّ القليل، بالمتاح. إن ظروفنا الحياتية صعبة أصلاً».
معرض زلزال
الفنان السوري كيفان الكرجوسلي، المقيم في برلين، يقول في حديثه لموقع صالون سوريا: «جاءت فكرة المعرض المشترك بعنوان (زلزال) على وقع تراكم عمره اثنا عشر عاماً. كان وقع الزلزال كبيراً وبشكل لا يمكن استيعابه. وقد انتاب المرء ذلك الشعور بالعجز بعد مشاهدة الفيديوهات وسماع الأخبار، وذلك بسبب قلّة الحيلة وبُعد المسافات!».
ويضيف كيفان: «ليس لدى الفنان منّا سوى أعماله والتي هي مثل الأموال المجمّدة، ربما يحاول أن يساعد من خلالها. كانت فكرة المعرض عبارة عن مبادرة اقترحها صديق لي اسمه أحمد ياسين، والذي شاركني تلك الرغبة بالبحث عن مكان يمكن أن نقيم فيه معرضاً للوحات ونجمع من خلاله التبرعات لمساعدة متضرري الزلزال في سوريا. وقد تواصل ياسين مع الفنانين وكنت أنا قد قدمت المكان وهو محترفي الخاص، وعرضت أيضاً بعض أعمالي مع بقية الفنانين».
ويعتبر كيفان أن الفكرة الأساسية للمعرض ليست الترويج للأعمال أو الشهرة، الفنان لا يستطيع تقديم شيء عيني للناس مقابل المال الذي سوف يتبرعون به سوى من أعماله الفنية، لأن فكرة التبرع العامة هي أن الشخص يتبرع بالمال لدعم فكرة أو هيئة أو منظمة، وبما أن الأهل في سوريا قد تضرروا من الزلزال وهم بحاجة إلى أكبر قدر ممكن من المساعدة، كانت فكرتنا أن نقدّم أعمالاً فنية على قدر إمكانية المتبرع كمقابل يعادل ما دفعه، بحسب قوله.
ويرى كيفان أن أهمية الفنان القادر على المساعدة أن يكون على تواصل مع عدد جيد من المقتنين وجامعي الأعمال الفنية، والأهم برأيه «أن يكون قادراً على التواصل مع منظمات أو جمعيات ملمّة وموجودة على الأرض من أجل إيصال المساعدات للناس المحتاجة بأسرع ما يمكن».
ولا يشك الفنان كيفان أن مثل تلك المبادرات سوف تترك انطباعات حسنة لدى الناس «وقد تقربهم من الفنان والعمل الفني ليعيشوا دورهم ومساهمتهم في المجتمع. ورغم ذلك، يا للأسف، ثمّة من يريد الصيد في الماء العكر، ومن يود أن يركز على الأزمات بسبب حب الظهور، هؤلاء قلة، ولكننا بحاجة إلى تغيير تلك النظرة عن مفهوم التبرع التي سوف تغيّر بدورها نظرة المجتمع للفن والفنانين على أنهم يستطيعون المساعدة، وهم لا يعملون لطبقة معينة من المجتمع، إنما يعملون من أجل الجميع».
ويختم كيفان: «إن المبادرات الحالية في معظمها هي مبادرات فردية، وناتجة عن لهفة الفنانين للمساعدة، وحتى يتم إنجاحها وإظهار تأثيرها على المجتمع، لا بد من الوقوف عند مثل هكذا أحداث ليتم دراستها وتطويرها بشكل منظم بمشاركة الفنانين والمنظمات المختصة بجمع التبرعات، لأن الأمر متعب بالنسبة للأفراد، كفنانين، وقد عشت ذلك على أرض الواقع مؤخراً، وكان الأمر صعباً جداً دون تخطيط مسبق».
نُشر هذا التحقيق أولاً في صالون سوريا بتاريخ 24 فبراير/شباط 2023. الصورة من المادة الأصلية.

اترك تعليقاً